منتدى التمويل الإسلامي

يهتم هذا المنتدى بالدرجة الأولى بعرض مساهمات الباحثين في مختلف مجالات العلوم الاقتصادية، كما يركز على الاقتصاد الإسلامي، و هو موجه للباحثين في الاقتصاد و الطلبة و المبتدئين و الراغبين في التعرف على الاقتصاد و الاقتصاد الإسلامي....مرحباً بالجميع
 
الرئيسيةالبوابةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلقائمة الاعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 النقود الشرعية وأحكامها

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مدير المنتدى
Admin


عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: النقود الشرعية وأحكامها   الأربعاء 23 يناير - 18:54

النقود الشرعية وأحكامها
المبحث الأول : في تاريخ النقود
كان الناس في قديم الزمان يتداولون السلع والخدمات بالمقايضة، وهي مبادلة العين بالعين أو بخدمة معيّنة، كبيع الجمل بألف كيلو من التمر، أو مقابل عمل في خدمة البائع مدّة سنة مثلاً. ولمّا كانت المقايضة تحمل كثيراً من الصعوبات، فقد اهتدى الناس إلى اختيار سلعة أساسية لها قيمة في ذاتها وهي سهلة التداول، فتكون هي المقياس الذي تُقاس به جميع السلع والخدمات. ومن هنا ظهرت النقود كوسيلة للتبادل، واتخذت من الذهب والفضّة لما يتمتّع به هذان المعدنان من قيمة، ولسهولة نقلهما وحفظهما وتجزئتهما إلى قطع صغيرة. ولقد اتخذت الدولة الرومانية الذهب أساساً لعملتها فسكّت منه الدنانير الهرقلية. بينما اتخذت الدولة الفارسية الفضّة أساساً لعملتها فسكّت منها الدراهم البغلية. وكان العرب في الجاهلية يتاجرون مع البلاد المجاورة في رحلتي الشتاء والصيف، فيرجعون من الشام بالدنانير الروميّة الذهبية، ويرجعون من العراق بالدراهم الفضّية الفارسية. وكان العرب يتعاملون بهذه النقود على أساس وزنها، وعلى أساس ما فيها من معدن الذهب أو الفضّة، وذلك لتنوّع الدراهم واختلاف وزنها، ولاحتمال نقصان الدنانير الذهبية من كثرة الاستعمال.
ولمّا جاء الإسلام أقرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم التعامل بهذه النقود كما أقرّ الأوزان التي كانت قريش تزن بها الدنانير والدراهم فقال : "الوزن وزن أهل مكّة، والمكيال مكيال أهل المدينة"
وبذلك اعتبرت نقود الذهب والفضة نقوداً شرعية، وبنيت عليها أحكام المعاملات، وحدّدت بها مقادير الزكاة، وربطت بها أحكام المهور وما إلى ذلك.
وبقي المسلمون يستعملون الدنانير والدراهم الهرقلية والبغلية حتّى ضرب عمر رضي الله عنه دراهم جديدة على الطراز الساساني، فتعامل المسلمون بها إلى خلافة عبد الملك بن مروان، حيث ضرب الدنانير الذهبية سنة 74 هجرية، كما ضرب الحجّاج الدراهم الفضيّة سنة 75 هجرية، وبذلك أصبح للمسلمين نقود خاصّة بهم، وتخلّوا عن الدنانير البيزنطية والدراهم الفارسية . وظلّ الحكّام المسلمون يضربون أنواعاً جديدة من الدنانير والدراهم بأشكال وأوزان ورسوم مختلفة، وبمقدار مختلف من الجودة أو الرداءة، حتّى بدأت الدولة العثمانية في آخر أيّامها بطباعة الأوراق النقدية واستعمالها إلى جانب نقود الذهب والفضة، ثم انتشرت هذه الأوراق بعد الحرب العالمية الأولى في كل بلاد العالم ومنها بلادنا الإسلامية، وذلك لأسباب كثيرة يمكن مراجعتها في الكتب المختصّة.
المبحث الثاني : الفلوس
جمع فلس، وهي لفظة يونانية لاتينية الأصل "فوليس(Follis) و منها يقال: أفلس الرجل : أي أصبح ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم. والفلوس نقود تصنع من المعادن الخسيسة، وتُستعمل في شراء الأمور البسيطة، وقد عُرفت من قديم الزمان لدى جميع الأمم، ولا تزال موجودة في هذا العصر كوسيلة للتبادل في الأمور الرخيصة. يقول المازندراني في كتابه "تاريخ النقود الإسلامية" صفحة 157: "إن الناس تجوّزوا فأطلقوا لفظة الفلوس على النقد عامّة، على الفلوس وغيرها، وهو من باب إطلاق الجزء على الكل".
أما المقريزي في كتابه "النقود الإسلامية" فهو يؤكّد أن الفلوس لا تكون نقوداً أبداً، وأنّ النقود إنّما هي الذهب والفضّة فقط. يقول المقريزي في صفحة 88 وما يليها ما يلي:
وأمّا الفلوس: فإنّه لم تزل سنّة الله في خلقه، وعادته المستمرّة مذ كانت الخليقة وعند كل أمّة من الأمم (كالفرس والروم وبني إسرائيل واليونان والقبط والنبط والتبابعة وأقيال اليمن والعرب العاربة والعرب المستعربة، ثمّ في الدولة الإسلامية من حين ظهورها على اختلاف دولها كبني أميّة بالشام والأندلس، وبني العبّاس بالعراق، والعلويين بطبرستان، وبلاد المغرب، وديار مصر والشام، وبلاد الحجاز واليمن، ودولة الديلم بني بويه، ودولة الترك بني سلجوق، ودولة الأكراد بمصر والشام، ودولة المغول ببلاد المشرق، ودولة الأتراك بمصر والشام، ودولة بني مرين بالمغرب، ودولة بني نصر بالأندلس، ودولة بني حفص بتونس، ودولة بني رسول باليمن، ودولة بني فيروز شاه بالهند، ودولة بني الحطن بالحبشة، ودولة بني تيمور لنك بسمرقند، ودولة بني عثمان بالجانب الشمالي الشرقي)، أنّ النقود التي تكون أثماناً للمبيعات وقيماً للأعمال إنّما هي الذهب والفضة فقط.
ولا يُعلم في خبرٍ صحيح ولا سقيم عن أمّة من الأمم، ولا طائفة من طوائف البشر، أنّهم اتخذوا أبداً في قديم الزمان ولا حديثه نقداً غيرهما، إلاّ أنّه لمّا كانت في المبيعات محقّرات، تقلّ عن أن تباع بدرهم أو بجزء منه، احتاج الناس من أجل هذا في القديم والحديث من الزمان، إلى شيء سوى الذهب والفضّة يكون بإزاء تلك المحقّرات. ولم يُسمّ ذلك الشيء أبداً نقداً فيما عرف من أخبار الخليقة، ولا أقيم قطّ بمنزلة أحد النقدين. واختلفت مذاهب البشر وآراؤهم فيما يجعلونه بإزاء تلك المحقّرات، ولم تزل بمصر والشام وعراقي العرب والعجم وفارس والروم في أول الدهر وآخره ملوك هذه الأقاليم يجعلون بإزاء هذه المحقّرات نحاساً، يضربون منه اليسير قطعاً صغاراً تُسمّى فلوساً لشراء ذلك. ولا يكاد يُؤخذ منها إلاّ اليسير، ومع ذلك فإنها لم تقم أبداً في شيء من هذه الأقاليم بمنزلة أحد النقدين".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
مدير المنتدى
Admin


عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: النقود الشرعية وأحكامها   الأربعاء 23 يناير - 18:55

المبحث الثالث : النقود الورقية
وهي عبارة عن وثائق متداولة تمثّل ديناً في ذمّة السلطات النقدية التي أصدرتها. وفي العصر الحديث تقوم البنوك المركزية بإصدارها في أكثر البلاد. وقد تطوّرت هذه الأوراق النقدية في مراحل ثلاث:
المرحلة الأولى: كانت فيها هذه الأوراق تسمّى نقوداً نائبة لأنّ قيمتها من الذهب مودعة لدى السلطات النقديّة، أي أنّ التغطية الذهبية لهذه الأوراق تمثّل مئة في المئة بحيث يمكن قبض قيمتها من الذهب عندما يريد حاملها. وبذلك تكون قيمة هذه الأوراق معادلة تماماً لقيمة الذهب الذي تمثّله.
المرحلة الثانية: عندما وجدت السلطات النقدية التي أصدرت هذه النقود الورقيّة أنّها ليست بحاجة إلى الاحتفاظ بقيمتها الذهبية الكاملة، فراحت تطبع أوراقاً جديدة، وقلّت نسبة التغطية الذهبية، وأصبحت قيمة الأوراق النقديّة أكبر من قيمة الذهب المقابل لها. وقد وقع ذلك بسبب ثقة الجمهور بالسلطات النقديّة، وبسبب اضطرار الحكومات إلى إصدار هذه الأوراق لتغطية تكاليفها الباهظة، خاصّة في الحرب العالمية الأولى. وقد ظلّت هذه الأوراق النقديّة قابلة للصرف بالذهب، إلاّ أنّ نسبة التغطية الذهبية أصبحت تقلّ عن مئة في المئة قليلاً أو كثيراً.
المرحلة الثالثة: ولمّا أصبحت كمّيات الذهب غير كافية لتغطية النقود الورقية المطبوعة، أوقفت السلطات النقدية الصرف بالذهب، وإن كانت قد استمرّت في تغطية الأوراق المصدّرة جزئيّاً. ومنذ إيقاف شرط تحويل الأوراق النقدية إلى ذهب أصبحت النقود الورقية إلزامية، وأصبحت قيمتها تستند إلى قوّة الإبراء العام التي يفرضها القانون. وتحرص السلطات النقديّة على عدم الإفراط عادة في طباعة كميّات كبيرة منها حتّى لا تتدهور قوّتها الشرائية، وحتّى لا يرفضها الجمهور بسبب انعدام ثقته في ثبات قيمتها .

المبحث الرابع : تعريف النقود ووظائفها
بعد هذا العرض التاريخي لتطوّر النقود يمكننا أن نحدّد لها التعريف التالي:
النقود هي أيّ شيء يلقى قبولاً عامّا كوسيط للتبادل، ويستخدم في نفس الوقت مقياساً للقيم ومستودعاً لها.
ومن هذا التعريف يتبيّن أن أهم وظائف النقود هي التالية:
1 - أنّ النقود وسيط للتبادل وهذه هي الوظيفة الأساسية لها. وأنّ نجاح النقود في القيام بهذه الوظيفة يتطلّب أن تكون مقبولة من جميع الناس، أي أن تمثّل قوّة شرائية عامّة. وإنّنا نؤكّد أنّه حتّى تزداد ثقة الجمهور في النقود، يجب أن تكون قوّتها الشرائية ثابتة، أو على الأقلّ تتقلّب في حدود ضيّقة .
2 - النقود مستودع للقيمة، وهذه الوظيفة امتداد للوظيفة الأولى للنقود، أي كونها وسيطاً للتبادل. فعندما يحصل الإنسان على مبالغ نقديّة كبيرة لأي سبب كان، فإنّه يستعمل جزءاً من هذه المبالغ في شراء حاجاته، ويدّخر الجزء الآخر من أجل استخدامها في المستقبل. فالنقود هنا إذاً تقوم بوظيفة مستودع للقيمة. وبمقدار ثبات قيمة هذه النقود يتجرّأ الإنسان على استخدامها مستودعاً للقيمة، لأنّها تمثّل قوّة شرائية عامّة يستطيع حائزها إنفاقها على أيّة سلعة أو خدمة، وفي أي وقت يشاء، وهي بهذا تمتاز عن الكثير من الأدوات التي تقوم بوظيفة مستودع للقيمة .
3 - أنها مقياس للقيمة، فكلّ إنسان يحدّد قيمة ما عنده من بضائع أو خدمات بما يناسبها من الأوراق النقدية. وهذه الوظيفة أيضاً تفترض ثبات قيمة النقود. وبما أنّ الأوراق النقدية تأخذ قيمتها اليوم من الدولة التي تصدرها، ومن قوّتها الاقتصادية والسياسية، وبما أنّ هذه الظروف عرضة للتغيير الدائم، لذلك فإن تقلّبات قيمة الوحدة النقدية تؤدّي إلى تعريض الاقتصاد العالمي إلى خضّات كبيرة .
4 - والنقود مقياس للمدفوعات الآجلة. هذه الوظيفة تعتبر امتداداً للوظيفة السابقة، وهي أنها مقياس للقيم الحاضرة. وبموجب هذه الوظيفة فإن النقود هي التي تقيس قيمة المدفوعات التي تستحق في المستقبل. وحتّى تقوم النقود بهذه الوظيفة، فيجب أن يكون قبول الجمهور لها في المستقبل مثل قبوله لها في الوقت الحاضر.
فلو شعر الإنسان بأنّ القوّة الشرائية للوحدة النقديّة سوف تنخفض في المستقبل فإنّه يُحجم عن إقراض نقوده خوفاً من الخسارة. وإننا نؤكّد هنا أن تقلّبات القوّة الشرائية للوحدة النقدية، تؤدّي إلى ظلم في المعاملات التي يتمّ إبراؤها في المستقبل، ومن ثمّ فإنّها تمنع من تأدية النقود وظيفتها كمقياس للمدفوعات الآجلة .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
مدير المنتدى
Admin


عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: النقود الشرعية وأحكامها   الأربعاء 23 يناير - 18:55

المبحث الخامس : النقود في الاقتصاد الإسلامي :
يحدّد جمهور الفقهاء وظائف النقود في أمرين: الأول أنّها وسيط للتبادل. والثاني أنّها أثمان. وهذا يعني أنّها مقياس للقيمة ومستودع لها ومقياس للمدفوعات الآجلة.
يقول الإمام أبو حامد الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين - كتاب الشكر: " فخلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسّطين بين سائر الأموال …" "فإذاً خلقهما الله تعالى لتتداولهما الأيدي وليكونا حاكمين بين الأموال بالعدل، ولحكمة أخرى وهي التوسّل بهما إلى سائر الأموال نسبة واحدة" وهذا يعني أنّ أهمّ وظائف النقود هي التوسّط بين سائر الأموال وهذا هو التداول، وأن تكون حاكمة بين الأموال بالعدل، وهذا يلخّص أنّ النقود مقياس للقيمة ومستودع لها ومقياس للمدفوعات الآجلة.
ويقول السرخسي في كتابه المبسوط، ص 192: "الذهب والفضّة خُلقا جوهرين للأثمان لمنفعة التقلّب والتصرّف". والتقلّب هنا يعني التداول، والتصرّف يعني الشراء أو بيع السلع.
ويقول ابن قدامة في كتابه المغني: "الأثمان هي الذهب والفضّة … وهي مخلوقة لذلك". والأثمان تعني النقود. وكونها مخلوقة لذلك يعني أنّ السلعة تُقوّم بوحدات نقديّة من الذهب والفضّة.
وذكر ابن رشد في تفسير غرائب القرآن، (ج 2، ص 162) أنّ: " المقصود من النقود المعاملة أولاً لا الانتفاع ". وهذا يشير إلى وظيفة النقود الأساسية وهي أنّها وسيط للتبادل.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ينبغي للسلطان أن يضرب لهم فلوساً تكون بقيمة العدل في معاملاتهم، من غير ظلم لهم، ولا يتّجر ذو السلطان في الفلوس أصلاً، بأن يشتري نحاساً فيضربه فيتّجر فيه، ولا بأن يحرّم عليهم الفلوس التي بأيديهم، ويضرب لهم غيرها، بل يضرب ما يُضرب بقيمته من غير ربح فيه للمصلحة العامّة، ويعطي أجرة الصنّاع من بيت المال، فإن التجارة فيها باب عظيم من أبواب ظلم الناس، وأكل أموالهم بالباطل، فإنّه إذا حرّم المعاملة بها حتّى صارت عرضاً، وضرب لهم فلوساً أخرى، أفسد ما عندهم من الأموال بنقص أسعارها، فيظلمهم فيها، وظلمهم فيها بصرفها بأغلى من سعرها. وأيضاً فإذا اختلفت مقادير الفلوس: صارت ذريعة إلى أن الظلمة يأخذون صغاراً فيصرفونها، وينقلونها إلى بلد آخر، ويخرجون صغارها، فتفسد أموال الناس، وفي السُّنن عن النبي صلى الله عليه وسلّم: "أنّه نهى عن كسر سِكّة المسلمين الجائزة بينهم، إلاّ من بأس". فإذا كانت مستوية المقدار بسعر النحاس، ولم يشتر وليُّ الأمر النحاس، والفلوس الكاسدة ليضربها فلوساً، ويتّجر بذلك: حصل به المقصود من الثمنيّة" .
وقال ابن القيّم: "فإنّ الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يُعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدوداً مضبوطاً لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسّلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامّة، وذلك لا يمكن إلاّ بسعر تُعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلاّ بثمن تقوم به الأشياء، ويستمرّ على حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره، إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس ويقع الخلاف،ويشتدّ الضرر كما رأيت من فساد معاملاتهم، والضرر اللاحق بهم حين اتُخذت الفلوس سلعة تُعدّ للرّبح فعمّ الضرر وحصل الظلم، ولو جُعلت ثمناً واحداً لا يزداد ولا ينقص بل تقوم به الأشياء، ولا تقوم هي بغيرها لصلُح أمر الناس، فلو أُبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير مثل أن يعطي صحاحاً ويأخذ مكسّرة، أو خفافاً ويأخذ ثقالاً أكثر منها، لصارت مُتّجراً، أو جرّ ذلك إلى ربا النسيئة فيها ولا بدّ، فالأثمان لا تقصد لأعيانها، بل يُقصد التوصّل بها إلى السلع، فإذا صارت في أنفسها سلعة تقصد لأعيانها فسد أمر الناس، وهذا معنىً معقول يختصّ بالنقود لا يتعدّى إلى سائر الموزونات" .
ويقول ابن عابدين في مجموعة الرسائل، (ص 57): "الذهب والفضّة لا يحتاج في التصرّف والمعاملة بهما إلى التقويم والاستبدال". وهذا يشير صراحة إلى أنّ وظيفة الذهب والفضّة هي الاستبدال، أي أنّهما وسيلة للتبادل والتقويم ومقياس للقيمة ومستودع لها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
مدير المنتدى
Admin


عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: النقود الشرعية وأحكامها   الأربعاء 23 يناير - 18:55

المبحث السادس : الحكم الشرعي في الأوراق النقدية :
يقول الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه "فقه الزكاة"، الجزء الأول: "لم تُعرف النقود الورقية إلاّ في العصر الحاضر، فلا نطمع أن يكون لعلماء السلف فيها حكم، وكلّ ما هنالك أنّ كثيراً من علماء العصر يحاولون أن يجعلوا فتواهم تخريجاً على أقوال السابقين. فمنهم من نظر إلى هذه النقود نظرة فيها كثير من الحرفية والظاهرية، فلم يرها نقوداً، لأن النقود الشرعية إنّما هي الذهب والفضّة فقط، وأفتوا بناءً على ذلك بأنّ الزكاة لا تجب فيها". ونقل القرضاوي آراء علماء المذاهب الأربعة المعاصرين عن كتاب الفقه على المذاهب الأربعة، وذكر أن أساس أقوالهم إنّما هو اعتبار الأوراق النقدية سندات دين على بنك الإصدار، وأنّها يمكن صرف قيمتها من الفضّة أو الذهب فوراً، وقد أوجبوا الزكاة فيها بناءً على ذلك، واشترط بعض الشافعية والحنابلة صرفها بالذهب والفضّة حتّى تجب فيها الزكاة، وإلاّ فهي غير واجبة. ويقول القرضاوي: إنه بعد أن أعفت القوانين بنوك الإصدار من التزام صرف النقود الورقية بالذهب والفضّة، فإن الأساس الذي بُنيت عليه هذه الأقوال ينهار.
ويرى القرضاوي أنّ النقود الورقية "أصبحت هي أساس التعامل بين الناس، ولم يعد يرى الناس العملة الذهبية ولا الفضّية. وقد أصبحت هذه الأوراق ـ باعتماد السلطات إيّاها وجريان التعامل لها ـ أثمان الأشياء ورؤوس الأموال، وبها يتمّ البيع والشراء، ومنها تُصرف الأجور والرواتب، وعلى قدر ما يملك المرء منها يُعتبر غناه، ولها قوّة الذهب والفضّة في قضاء الحاجات وتيسير المبادلات وتحقيق المكاسب والأرباح. والواجب أن يُنظر إليها نظرة مستقلّة في ضوء واقعنا وظروف حياتنا وعصرنا". ولذلك قال القرضاوي بوجوب الزكاة في هذه الأوراق النقدية باعتبار قيمتها الوضعية، واتفاق الملّة على اتخاذها أثماناً للمقوّمات، وباعتبارها عمدة التبادل والتعامل الآن، ولم يعد يشترط أن يقابلها رصيد في البنك، ولا يلتزم البنك بصرفها ذهباً أو فضّة، وقد أصبح لها كل وظائف النقود الشرعية وأهميّتها ونظرة المجتمع إليها، وقد قرّر أساتذة الاقتصاد أنّ النقود هي كل ما يُستعمل مقياساً للقيم وواسطة للتبادل وأداة للادّخار، بصرف النظر عن المادّة المصنوعة منها .
أقول: لم يخالف أحد من العلماء المعاصرين في جواز التبادل بالنقود الورقيّة، وإنّما اختلفوا في أنّها هل تُعتبر نقوداً شرعية بالمعنى الكامل كالذهب والفضّة، وبالتالي تجب فيها الزكاة ويحرم فيها الربا، أم أنّها نقود ناقصة بمعنى أنّها وسيط للتبادل فقط، ولا تأخذ كل أحكام النقود الشرعية، باعتبارها ليست من الذهب والفضّة التي تُعتبر وحدها نقوداً شرعية؟
المبحث السابع : الأدلّة الشرعيّة على جواز استعمال النقود الورقيّة كوسيط للتبادل :
1. أنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم أباح التداول بغير الذهب والفضّة في حديثه المشهور: "الذهب بالذهب والفضّة بالفضّة والبرّ بالبرّ والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مِثلاً بمثل يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربا، الآخذ والمعطي فيه سواء" .
2. قال الإمام مالك رحمه الله: "ولو أنّ الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سَكّة، لكرهت أن تُباع بالذهب والورِق" . ومعنى ذلك أن الناس يمكنهم أن يتعارفوا ويصطلحوا على أيّ نقدٍ كان، وأنّ كلّ هذه النقود تجري فيها أحكام الربا كالذهب والفضّة، ويُكره أن تُباع بالذهب والورِق إلى أجل، بل يجب أن يكون هذا البيع يداً بيد.
3. أنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم بُعث والناس يتعاملون بالذهب والفضّة كنقود، فأقرّ ذلك ورتّب عليه أحكاماً شرعية، كوجوب الزكاة، وحرمة الربا، وتحديد مقدار الديات، والمقدار الواجب في القطع بسبب السرقة، ولكن لم يرد أيّ نصّ يمنع الناس من استعمال نقود أخرى فيبقى الأمر على الإباحة. وفي حال استعمال نقود أخرى فيجب أن تطبّق عليها الأحكام الشرعية قياساً على الذهب والفضّة لأنّها هي النقود الشرعية الأساس.
4. اعتبار جمهور الفقهاء أنّ الذهب والفضّة تُعتبر أثماناً بالخِلقة، وأنّ غيرها كالفلوس والكواغد تُعتبر أثماناً بالاصطلاح، وهذا يعني أنّ الناس يمكن أن يصطلحوا على أيّ شيء فيعتبرونه ثمناً أو نقوداً . ومن ذلك اصطلاحهم على استعمال الفلوس والكواغد، واتفاق العلماء على جواز ذلك، وإن اختلفوا حول وجوب الزكاة أو حرمة الربا في هذه النقود، وذلك ناتج عن اختلافهم في اعتبارها سلعة أو ثمناً، فمن اعتبرها سلعة لم يوجب فيها الزكاة، ولم يُحرّم فيها الرّبا، باعتبارها ليست نقداً شرعياً. ومن اعتبرها ثمناً أي نقداً فقد ألحقها بأحكام النقدين من حيث وجوب الزكاة وتحريم الرّبا .
5. وقد تكلّم كثير من الفقهاء المعاصرين حول استعمال النقود الورقيّة كوسيلة للتبادل فأجازوا ذلك ومنهم الشيخ عبد الوهاب خلاف والشيخ محمد أبو زهرة والشيخ محمد حسنين مخلوف في كتابه "التبيان في زكاة الأثمان"، والدكتور يوسف القرضاوي في كتابه "فقه الزكاة". وقد قرّرت هيئة كبار العلماء في السعودية في جلستها المنعقدة بتاريخ 1993/4/17 "أن الورق النقدي يُعتبر نقداً قائماً بذاته، كقيام النقدية في الذهب والفضّة وغيرهما من الأثمان"، كما قرّر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي المنعقد في مكّة المكرّمة سنة 1402 هـ "أنّ العملة الورقية نقدٌ قائم بذاته له حكم النقدين من الذهب والفضّة، فتجب الزكاة فيها، ويجري الربا عليها بنوعيه فضلاً ونَسَاءً".
وجاء في الموسوعة الفقهية، قسم الحوالة، ص 231، الصادرة في الكويت، والتي كان على رأسها فضيلة الشيخ الفقيه مصطفى الزرقا ما يلي: "إنّنا نعتبر الأوراق النقدية من قبيل النقود الوضعية، لا من قبيل الأسناد المعترف فيها باستحقاق قيمتها على الجهة التي أصدرتها من دولة أو مصرف إصدار … فوجب لذلك اعتبارها بمثابة الفلوس الرائجة من المعادن غير الذهب والفضّة. تلك الفلوس التي اكتسبت صفة نقدية بالوضع والعرف والاصطلاح، وهذه الصفة يجب إعطاؤها في نظرنا للأوراق النقدية". بتصرّف.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
مدير المنتدى
Admin


عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: النقود الشرعية وأحكامها   الأربعاء 23 يناير - 18:55

المبحث الثامن : النقود الورقيّة ليست من الناحية الشرعيّة مقياساً للقيمة ولا مستودعاً لها وليست مقياساً للمدفوعات الآجلة :
ممّا ذكرناه سابقاً يتبيّن لنا بوضوح أنّ الدليل الأصولي على شرعيّة التبادل بالنقود الورقية أمران:
الأول : هو الإباحة المبنيّة على عدم وجود أيّ نصّ يحرّم التبادل بغير الذهب والفضّة، بالإضافة إلى وجود نصّ نبوي يبيح التبادل بغير الذهب والفضّة، وهو الحديث المشهور الصحيح: "الذهب بالذهب والفضّة بالفضّة والبُرّ بالبُر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد" .
الثاني : القياس وهو الذي اعتمد عليه الفقهاء لإباحة التداول بالفلوس، وهو الذي اعتمده الإمام مالك عندما قال: "ولو أنّ الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكّة لكرهت أن تُباع بالذهب والورِق". والورِق هو الفضّة.
ولو أنّنا دقّقنا في هذين الدليلين لتبيّن لنا ما يأتي:
1. أنّ الإباحة الأصلية وأنّ النصّ النبويّ الذي يُبيح التداول بغير الذهب والفضّة، هذا الدليل يؤدّي إلى إباحة التداول بالنقود الورقية، ولكنّه لا يعني اعتبارها مقياساً للقيمة أو مستودعاً لها أو مقياساً للمدفوعات الآجلة، وإلاّ لأمكن اعتبار الشعير أو التمر أو الملح مقياساً للقيمة وهذا غير وارد. وقد علمنا فيما سبق أنّ النقود ليست وسيلة للتبادل فقط، رغم أنّ هذه هي وظيفتها الأساسية، ولكنّها أيضاً مقياس للقيمة ومستودع لها ومقياس للمدفوعات الآجلة. فدليل الإباحة الأصلية ودليل الحديث النبوي الذي يؤكّد هذه الإباحة، يؤدّي فقط إلى إباحة التداول بالنقود الورقيّة من حيث الحكم الشرعي. أمّا بقيّة وظائف النقود الورقيّة فلا يتعرّض لها هذا الدليل.
2. القياس، وهو الدليل الذي استعمله الفقهاء في إباحة التداول بالفلوس، باعتبارها تؤدّي وظيفة الذهب والفضّة في التبادل في الأمور الخسيسة. وحين ندقّق بهذا الدليل، نجد أنّ القياس صحيح وكامل بالنسبة لجواز التبادل بالنقود الورقية قياساً على شرعية التبادل بنقود الذهب والفضّة.
أمّا اعتبار النقود الورقية مقياساً للقيمة ومستودعاً لها ومقياساً للمدفوعات الآجلة قياساً على نقود الذهب والفضّة فهو قياس مع الفارق وبالتالي غير صحيح لسببين اثنين:
الأول: أنّ النقود الورقية ليس لها أيّ قيمة بذاتها، بخلاف النقود الذهبية والفضّية التي تتمتّع بقيمة ذاتية.
الثاني: أنّ قيمة النقود الورقية قيمة اصطلاحية، أي أنّ الناس قد اصطلحوا على إعطائها هذه القيمة، بناءً على القانون الذي يعطيها صفة الإبراء العام، وبناءً على الثقة بالدولة ووضعها الاقتصادي. ولذلك فغالباً ما تكون هذه القيمة الاصطلاحية عرضة للهبوط أو الارتفاع، وفي أكثر الحالات وفي أكثر الدول تكون عرضة للهبوط بسبب التضخّم، لأنّ هذه الدول تُكثر من طبع الأوراق النقديّة دون أن يكون لها رصيد من الذهب فتنخفض قيمتها، كما أنّ الأوضاع الاقتصادية في بلاد العالم الثالث لا توحي بالثّقة، وهذا يؤدّي إلى هبوط قيمة عملتها باستمرار. وإذا أضفنا إلى هذه الظروف الطبيعيّة التي تؤدّي إلى انخفاض قيمة العملة ظروفاً استثنائية أخرى، كظروف الحرب اللبنانية وما أدّت إليه من انهيار قيمة الليرة، وظروف حرب الخليج الثانية وما أدّت إليه من انهيار قيمة الدينار العراقي، وغير ذلك من الأمثلة تبيّن لنا أنّ انهيار قيمة العملة الورقيّة قد يصل إلى مئات المرّات، وهذا فارق كبير بينها وبين نقود الذهب والفضّة التي يمكن أن تتأثّر هبوطاً أو ارتفاعاً بحسب ظروف العرض والطلب أو الظروف الاقتصادية الأخرى، ولكن هذا التغيير في قيمة هذه النقود لا يمكن أن يؤدّي إلى انهيار كبير للقيمة، لأنّ الناس عند ذلك يبيعون هذه النقود بسعر الكمّية التي تحتويها من الذهب أو الفضّة.
وبناءً على ذلك فإننا نقول إنّ اعتبار الأوراق النقدية مقياساً شرعياً للقيمة قياساً على النقود الذهبية والفضّيّة غير صحيح لأنّه يُعتبر قياساً مع الفارق من وجهة النظر الأصولية.
كما أنّ الفقهاء فرّقوا بين (أثمان الخلقة وأثمان الاصطلاح)، ولا معنى لهذا التفريق إلاّ إذا قلنا بأنّ أثمان الخلقة تحتفظ بقيمتها الخلقية، ولا عبرة بهبوط هذه القيمة أو ارتفاعها لأنّها تظلّ في نطاق محدود. أمّا أثمان الاصطلاح فإنّ قيمتها تتغيّر بتغيّر اصطلاح الناس، وقد تنخفض مئات المرّات كما حصل بالنسبة إلى الليرة اللبنانية، فلا بدّ في هذه الحالة من الرجوع إلى القيمة الثابتة نسبياً لنقود الذهب والفضّة، واعتبارها هي المقياس الحقيقي، وذلك التزاماً بمقتضى العدالة القائمة على التوازن بين طرفي العقد، والتزاماً بمقتضى التراضي بين الطرفين أيضاً.
وبما أنّنا نعتقد أنّ اعتماد النقود الورقيّة أمر جائز شرعاً كما قال أكثر الفقهاء المعاصرين، وهو أمر يصعب التخلّص منه في ظلّ الظروف الاقتصادية المعاصرة، وبما أنّ القوانين الوضعية في كلّ بلاد العالم تعطي النقود الورقيّة صفة إبرائيّة شاملة، فلم يعد أمامنا من حلّ عندما تنهار قيمة هذه الأوراق إلاّ أن نعود إلى تقدير القيم بناءً على مقياس الذهب، لأنّه المقياس الشرعي في تحديد هذه القيم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
مدير المنتدى
Admin


عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: النقود الشرعية وأحكامها   الأربعاء 23 يناير - 18:56

المبحث التاسع : آراء المذاهب في أثر تغيّر قيمة النقود :
لقد بحث علماء المذاهب في هذا الموضوع بحثاً مستفيضاً. ولم تكن بحوثهم تتعلّق بالنقود الذهبية والفضّية التي كانت سائدة في عصورهم، لأنّ التغيّر الذي قد يطرأ على قيمتها ليس له تأثير يُذكر، وإنّما تتعلّق بالفلوس التي كانت معروفة في عصورهم أيضاً ولا تُستعمل إلاّ في المدفوعات البسيطة. ولم يتناول أحد منهم مسألة التغيّر في القيمة التي تلحق بالأوراق النقدية المعاصرة، لعدم وجودها في زمانهم. ونستعرض الآن مختلف الآراء على الوجه التالي:
الرأي الأول: وهو عدم الاعتداد بتغيّر القيمة وإلزام المدين بدفع المثل:
هذا هو المشهور في مذهب المالكية:
قال خليل وشارحه الزرقاني: "وإن بطلت فلوس ترتّبت لشخص على آخر، أي قُطع التعامل بها بالكليّة، وأولى من ذلك تغيّرها بزيادة أو نقص مع بقاء عينها، فيجب المثل على من ترتّبت في ذمّته قبل قطع التعامل بها، أو قبل التغيّر. ولو كانت حين العقد مئة بدرهم، ثمّ صارت ألفاً به، كما في المدوّنة، أو عكسه لأنّه من المثليّات"
وهذا هو المشهور في مذهب الشافعية أيضاً:
قال السيوطي: "تترتّب الفلوس في الذمّة بأمور منها القرض. وقد تقرّر أن القرض الصحيح يُردّ فيه المثل مطلقاً، فإذا اقترض منه رطل فلوس، فالواجب ردّ رطل من ذلك الجنس سواء زادت قيمته أو نقصت" .
وهذا هو المشهور أيضاً في مذهب الحنابلة:
جاء في المغني: "إنّ المستقرض يردّ المثل في المثليّات، سواء رَخُصَ سعره أو غلا". ويشرح سبب ذلك فيقول: "وأمّا رُخص الأسعار فلا يمنع سواء كان قليلاً أو كثيراً، لأنه لم يحدث فيها شيء، وإنّما تغيّر السعر، فأشبه الحنطة إذا رَخُصَت أو غلت" .
وهذا هو رأي أبي حنيفة وإن لم يكن معمولاً به في مذهب الحنفية:
قال الكاساني: "ولو لم تكسد ولكنّها رَخُصَت قيمتها أو غلت، لا ينفسخ البيع بالإجماع، وعلى المشتري أن ينقد مثلها عدداً، ولا يُلتفت إلى القيمة هنا، لأنّ الرخص والغلاء لا يوجب بطلان الثمنية. ألا ترى أنّ الدراهم قد ترخص وقد تغلو، وهي على حالها أثمان؟" .
الرأي الثاني: وهو وجوب أداء القيمة في حالة الرخص أو الغلاء:
وهذا المعمول به في مذهب الحنفية، وهو قول أبي يوسف: "فإن كان ما في الذمّة قرضاً، فتجب القيمة يوم القبض (أي يوم قبض القرض). وإن كان بيعاً، فالقيمة يوم العقد".
وهو قول كثير من علماء الحنابلة حتّى ذهب متأخّروهم إلى ترجيحه وخاصّة شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رأي في المذهب المالكي ذكره الرهوني وقيّده بما إذا كانت زيادة القيمة أو نقصانها ليست كبيرة جداً. وذكر الشيخ المحفوظ بن بيّه تأييده لهذا الرأي واقترح أن يكون تغيّر القيمة بنسبة الثلث فما فوق.
نقل ابن عابدين عن المنتقى قوله: "إذا غلت الفلوس قبل القبض أو رخُصت، ليس له غيرها، قال أبو يوسف: قولي وقول أبي حنيفة في ذلك سواء. ثم رجع أبو يوسف وقال: عليه قيمتها من الدراهم، يوم وقع البيع أي في صورة البيع، ويوم وقع القرض، أي في صورة القرض. ثم قال ابن عابدين: وبه عُلم أنّ في الرخص والغلاء قولان. الأول: ليس له غيرها. والثاني: له قيمتها يوم البيع، وعليه الفتوى" .
ونقل ابن عابدين أيضاً عن البزّازية معزياً إلى المنتقى: "غلت الفلوس أو رخصت فعند الإمام الأول، والثاني أولاً ـ أي أبو يوسف في قوله الأول ـ ليس عليه غيره. وقال الثاني ثانياً - أي أبو يوسف في قوله الثاني - عليه قيمتها من الدراهم يوم البيع والقبض، وعليه الفتوى. وهكذا في الذخيرة، والخلاصة، وقد نقله شيخنا في بحره وأقرّه، فحيث صرّح بأنّ الفتوى عليه في كثير من المعتبرات، فيجب أن يُعوّل عليه إفتاءً وقضاءً، لأن المفتي والقاضي واجب عليهما الميل إلى الراجح من مذهب إمامهما، ولا يجوز لهما الأخذ بمقابله لأنّه مرجوح بالنسبة إليه" . ونقل ابن عابدين أيضاً عن البزّازية: "استقرض منه دانق فلوس، حال كونها عشرة بدانق، فرخصت وصارت عشرين بدانق. يأخذ منه عدد ما أعطى، ولا يزيد ولا ينقص". قال ابن عابدين تعليقاً على هذا القول: "هذا مبنيّ على قول الإمام أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف أولاً. وقد علمتَ أن المُفتى به قول أبي يوسف ثانياً، وهو وجوب قيمتها يوم القرض وهو دانق أي سدس درهم، سواء صار الآن ستة فلوس بدانق، أو عشرين بدانق، تأمّل" .
وحين ندقّق في هذا القول نجد أنّه يحصر العمل فيه بالنسبة للفلوس أو الدراهم المغشوشة مثل البخارية والطبريّة واليزيدية إذا رخصت أو غلت، فيعود إلى تقدير قيمتها بالدراهم (وهي نقود فضّية) أو بالدنانير (وهي النقود الذهبية)، ولا يتناول أبداً مسألة الرخص والغلاء بالنسبة لهذه النقود الذهبية والفضّية. يقول ابن عابدين: "إيّاك أن تفهم أنّ خلاف أبي يوسف جارٍ حتّى في الذهب والفضّة، فإنّه لا يلزم لمن وجب له نوع منه سواه بالإجماع. فإنّ ذلك في الفهم خطأ صريح ناشئ عن عدم التفرقة بين الفلوس والنقود".
المبحث العاشر : آراء العلماء المعاصرين في أثر تغيّر قيمة النقود :
وقد بحث بعض العلماء المعاصرين في هذه المسألة على ضوء الواقع الجديد، وهو غياب النقود الذهبية والفضّية بشكل كامل عن ساحة التبادل، وحلول النقود الورقية مكانها، وهي نقود ليست لها أيّة قيمة ذاتية، بل قيمتها اصطلاحية فقط، وهي بذلك أقرب إلى الفلوس التي لها قيمة ذاتية ولكنّها قليلة. وقد اطلعت على أقوال كثير من العلماء المعاصرين في هذه المسألة فوجدت أكثرهم يتبنّى رأي المذهب الحنفي، ومن هؤلاء:
1. الدكتور شوقي أحمد دنيا، أستاذ الاقتصاد المساعد في جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض. فقد كتب بحثاً مفصّلاً في هذه المسألة خَلُص فيه إلى القول: "نرى أنّ الاقتراب إلى روح الشريعة ومقاصدها وقواعدها من العدل وعدم الظلم هو الرأي الثاني. فإذا تغيّر سعر النقود أو قيمتها فقد زال التماثل، ويكون المعوّل عليه عندئذٍ هو قيمة الدَّيْن يوم ثبوته. خاصّة إذا ما وضعنا في حسابنا أنّ مبنى عقود المعاوضة على التساوي في المالية بين العوضين. فكلٌ من الطرفين يعتقد أنّ ما حصل عليه مساوٍ لما دفعه، إن لم يكن أكبر. وجوهر التساوي في الأموال هو ماليّتها الاقتصادية" .
2. الدكتور عجيل جاسم النشمي، عميد كلّية الشريعة في الكويت، فقد نشر بحثاً مفصّلاً في مجلّة الشريعة والدراسات الإسلامية الصادرة عن جامعة الكويت بعنوان: (تغيّر قيمة العملة في الفقه الإسلامي)، قال الدكتور النشمي: "إن قول أبي يوسف بإيجاب القيمة في الرّخص والغلاء قول يسنده العديد من قواعد الشرع. ولعلّ أبا يوسف اعتبر الرّخص والغلاء عيباً لحق الفلوس، سواء في القرض أو البيع، فترتّب عليه ظلم للدافع في حالة الرّخص. فينبغي أن يجبر بالقيمة، ولا يقتضي إبطال العقد، كما لم يبطل في الكساد والانقطاع. وقد لاحظ أبو يوسف ههنا أنّ الفلوس أثمان باصطلاح الناس، فإذا تغيّر اصطلاحهم، فينبغي مراعاة هذا التغيّر بحيث لا يترتّب على طرف ضرر، وإلاّ لم يعد للاصطلاح فائدة أو معنى".
3. معالي الشيخ عبد الله الشيخ المحفوظ بن بيّه، الأستاذ بجامعة الملك عبد العزيز بجدّة، والذي يُعتبر من فقهاء المالكية في هذا العصر، وقد تحدّث عن تغيّر قيمة العملة بالزيادة أو النقصان بعد تعلّقها في ذمّة المدين، وتساءل عمّا يجب عليه أن يؤدّيه للدائن في هذه الحالة، وأورد الرأيين السابقين للمذاهب:
الأول: وجوب أداء المثل من نفس العملة التي وقع التعاقد عليها وإن نقصت أو زادت.
والثاني: أداء قيمة العملة التي تغيّرت بالنقصان أو الزيادة. ثم أضاف الشيخ بن بيّه رأياً ثالثاً استنتجه من رأي الرهوني، والذي ذكره الزرقاني في شرحه على مختصر خليل . وخلاصة هذا الرأي أنّ مذهب المالكية في الأصل يعتبر أنّ اللازم على المدين، في حالة بطلان الفلوس أو تغيّرها بالزيادة والنقصان هو المثل. وقد قال الرهوني تعقيباً على ذلك: "وينبغي أن يقيّد ذلك بما إذا لم يكثر ذلك جداً حتّى يصير القابض لها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه".
وقد عقّب الشيخ بن بيّه على ذلك بقوله: "إنّ تفصيل الرهوني جيّد، إلاّ أنّه لم يحدّد النسبة التي إذا وصل إليها الرخص رجع بها الدائن على المدين، سواء كان دين قرض يقصد به المعروف والإحسان، أو دين بيع يتوخّى منه الربح. ونحن نقترح للبحث نسبة الثلث قياساً له على الجائحة في الثمار، لأنّ الجائحة أمر خارج عن إرادة المتعاقدين، وليست من فعل أحد حتّى يرجع عليه البائع إن شاء. وقد قال مالك: إنّ الجائحة تكون في ضمان البائع إذا وصلت إلى الثلث فما فوق، وهي رواية عن أحمد. كما أنّ الثلث يعتبر في الغبن الذي يقع على أحد المتعاقدين، فيكتفى بالثلث لتحقّق الغبن عند ابن عاصم، وقيل لا بدّ من الزيادة على الثلث عند ابن القصّار، ونفى خليل اعتباره مطلقاً، وعن ابن الحاجب قيل: الثلث غبن" .
4. الدكتور عدنان خالد التركماني، أستاذ الفقه في جامعة الإمام محمد بن سعود، فرع أبها الذي ذكر في كتابه: (السياسة النقدية والمصرفية في الإسلام) قواعد التعامل في حالة تغيّر النقود، وأشار إلى الرأيين الفقهيين المذكورين آنفاً وهما: اعتماد المثل أو القيمة. وعقّب على الرأي الثاني بما يفيد تأييده فقال: "يُؤخذ من قول العلاّمة ابن عابدين رحمه الله أنّ الفتوى في مذهب الحنفيّة في حالة الدَّيْن أو البيع بالأجل، وكذلك في النّكاح، أنّ الواجب دفعه هو قيمة الدراهم يوم البيع أو القبض (في حالة القرض)، وإذا كانت الفتوى في مذهب الحنفيّة على غلاء أو رخص الفلوس، وقد انتهى أمر تداولها بين الناس، وغدا التداول بينهم بالأوراق النقديّة أو الإلزاميّة، فهل تقاس هذه النقود على الفلوس أم لا؟ وهنا ذكر الدكتور التركماني قول الشيخ محمد عارف الجويجاتي في كتابه (المعلومات الضرورية في المعاملات الشرعية) وهو التالي: وحكم هذا الورق - والله أعلم - أن نعتبره كالفلوس الرائجة من حيث بيعه واستقراضه والبيع به. فإذا استقرض منه، أو باع به، ولم يدفعه حتّى غلا أو رخص أو كسد أو انقطع وجوده من الأسواق، يلزمه حينئذٍ قياساً على الفلوس قيمته يوم القرض أو البيع".
5. الدكتور رفيق المصري، الأستاذ المساعد بمركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي في جامعة الملك عبد العزيز بجدّة، فقد عقد بحثاً مستفيضاً في كتابه: (الإسلام والنقود) حول تدهور النقود والربط القياسي للقروض غير الربوية. ويُفهم من كلامه أنّه يؤيّد اعتبار القيمة عند تغيّر قيمة النقود، فهو يقول: "ورأى البعض أنّ وفاء القرض - قرض النقود الورقيّة - بقيمته الحقيقيّة لا علاقة له بالرّبا، بل بالضمان. فتغيّر قيمة النقود الورقية تغيّراً كبيراً، يُعتبر من العيوب الموجبة للضمان. والضمان غير الربا، فهو متعلّق بما يثبت في ذمّة المدين بنقود ورقية: هل هو القيمة الاسميّة (العدد)، أو القيمة الحقيقية (القدرة الشرائية بالنسبة لنقود أو سلع معيّنة)؟ والنقود يردّ مثلها في القرض، ولكن هل المثل مثل الصورة أم مثل المعنى؟" .
كما يفهم رأي الدكتور رفيق المصري وهو من أكبر العلماء الاقتصاديين المسلمين في هذا العصر من تعليقه على التوصية السابعة للحلقة العلمية التي عقدها البنك الإسلامي للتنمية في جدّة بتاريخ 25 - 28 نيسان 1987 حول: (ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغيّر الأسعار). فقد جاء في التوصية السابعة ما يلي:
"إنّ رخص النقود الورقيّة وغلاءها لا يؤثّر في وجوب الوفاء بالقدر الملتزم به فيها، قلّ ذلك الرخص والغلاء أو كثر، إلاّ إذا بلغ الرخص درجة يفقد فيها النقد الورقي ماليّته، فعندئذٍ تجب القيمة لأنّه يصبح في حكم النقد المنقطع".
وقد عقّب الدكتور المصري على هذه التوصية بقوله: "إنّ هذه التوصية تعطي حكماً شرعيّاً للحالة المثلى ونقيضها، ولا تعطي أي حكم للحالات الواقعة بينهما. فإذا لم يكن ثمّة رخص فالحكم وجوب العدد. وإذا بلغ الرخص حدّ فقدان الماليّة فالحكم وجوب القيمة. وليس من المعقول أن لا تجب القيمة إلاّ في حال فقدان الماليّة تماماً، فكان من الواجب بيان حدّ يصبح عنده الرخص فاحشاً، ويحكم فيه بالقيمة"
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
 
النقود الشرعية وأحكامها
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى التمويل الإسلامي :: قسم علوم التسيير (علوم الإدارة) :: الاقتصاد النقدي و المالي-
انتقل الى: