منتدى التمويل الإسلامي

يهتم هذا المنتدى بالدرجة الأولى بعرض مساهمات الباحثين في مختلف مجالات العلوم الاقتصادية، كما يركز على الاقتصاد الإسلامي، و هو موجه للباحثين في الاقتصاد و الطلبة و المبتدئين و الراغبين في التعرف على الاقتصاد و الاقتصاد الإسلامي....مرحباً بالجميع
 
الرئيسيةالبوابةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلقائمة الاعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 البنك الإسلامي بين فكر المؤسسين و الواقع المعاصر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مدير المنتدى
Admin


عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: البنك الإسلامي بين فكر المؤسسين و الواقع المعاصر   الجمعة 2 نوفمبر - 3:26

أ. د. محمد علي القري - جامعة الملك عبدالعزيز ـ جدة
جدة في يوم الإثنين 23 ربيع الأول 1426هـ الموافق 2 مايو 2005م
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
إن منتدى الفكر الإسلامي، الذي نسعد ونتشرف عن طريقه باللقاء بحضراتكم، والذي أخذ عهداً على نفسه بأن يقوم بعدة محاضرات طوال السنة، وتكون هذه المحاضرات بحسب الحاجة التي يعرب عنها الأعضاء أو سواهم، فإن الدور اليوم ينتهي إلى العلامة الدكتور محمد علي القري في عرض كلنا نتطلع إليه، ونريد الاستماع إلى دراسة أو بحث فيه، ولذلك لما طلبنا منه إعداد هذه الدراسة أجاب مشكوراً وهيأ لنا هذا اللقاء أو سبب هذا اللقاء لنضيف إلى معلوماتنا وآرائنا في قضية المصارف الإسلامية رأياً جديداً. وسيدير الجلسة الأستاذ الدكتور عمر حافظ ليتم التنظيم على خير وجه.

الدكتور عمر حافظ

الدكتور القري
إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستعينه ونستهديه ونصلى ونسلم على سيد الخلق سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته اللهم، ألهمنا الصواب وآتنا الحكمة وفصل الخطاب.
أما بعد فإني أبدأ بتقديم الشكر الجزيل لهذا المجمع المبارك، وأخص بهذا الشكر أستاذنا وشيخنا معالي الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة وفقه الله لكل خير، كما أشكر أخي الدكتور عمر زهير حافظ على ما قدم تقدمة للمحاضر، وأبدأ بالقول إن موضوع المحاضرة لهذا المساء هو" البنك الإسلامي بين فكر المؤسسين والواقع المعاصر"

كثيراً ما نسمع الانتقاد يوجه إلى المصارف الإسلامية. وهذا الانتقاد على ضربين. الأول: ممن لا يرون المصرفية الإسلامية شيئاً مذكوراً وهذا الانتقاد لا نأبه به ولا نعيره إهتمامنا، والآخر ممن هم أهل المصرفية الإسلامية وأنصارها. وهو ما نهتم به ونعطيه ما يستحق من وزن. هذا الانتقاد هو في أكثر الأحوال ناتج عن وجود صورة ذهنية مستمدة بصفة أساسية من فكرمن نسميهم المؤسسين للمصرفية الإسلامية، أولئك الذين كتبوا ودعوا لتأسيس المصارف الإسلامية، والذين أدى جهادهم الفكري في المسألة إلى ولادة أول مصرف إسلامي. هذه المحاضرة محاولة لرسم تلك الصورة اعتماداً على كتابات أولئك المؤسسين. ثم مقارنة ذلك مع واقع المصرفية الإسلامية اليوم، ثم إستشراف المستقبل من خلال هذا المنظور.
لا بد أولاً من تعريف المؤسسين.
ولد أول مصرف إسلامي سنة 1975م، ويتنافس على شرف الريادة مصرفان: البنك الإسلامي للتنمية، وقد تأسس في تلك السنة وبنك دبي الإسلامي، وقد تأسس أيضاً في ذات السنة، ويميل كثيرون إلى ترجيح حظ الثاني لأن الأول وإن كان أسس في ذلك العام فانه لم يباشر العمل إلا بعد ذلك بعدد من السنين، وقد سبقت بنك دبي الإسلامي محاولات كثيرة لا يجوز تجاهلها، ولكنها جميعاً لم تؤسس لبنك، وإنما كان يغلب عليها جانب النشاط الاجتماعي والتكافلي.
من نسميهم "المؤسسين" للفكرة هم من كتب في موضوع المصرفية الإسلامية، وقدم البديل الإسلامي للبنك الربوي بشكل واضح وتصور دقيق وكان لما كتب تأثير على بلورة فكرة المصرف الإسلامي، وساهمت كتاباته وأفكاره في قيام المصرف الإسلامي ولا يتصور مثل ذلك الشرف إلا لمن كانت كتاباته قد نشرت قبل سنة 1975م.
على ذلك فقد انحصر عندي المؤسسون للفكرة بناء على ما سبق من ضابط في الأسماء التالية:
الأول: محمد عبدالله العربي يرحمه الله:
وذلك فيما قدمه من بحث في المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية في مايو سنة 1965م بعنوان: "المعاملات المصرفية المعاصرة ورأي الإسلام فيها"، وظهر جلياً عنده هيكل مصرف لا يعمل بالربا يأخذ الأموال مضاربة من المدخرين، ويمنحها للمستثمرين على أساس المضاربة أيضاً.
الثاني: أحمد عبدالعزيز النجار يرحمه الله:
وهو من الآباء المؤسسين على المستوي النظري، وعلى المستوى التطبيقي هو ذائع الصيت في هذا المجال، وقد كان له تأثير مهم على بلورة فكرة المصرف الإسلامي، وأفكاره منثورة في مطبوعات كثيرة أهمها كتاب: بنوك بلا فوائد كإستراتيجية للتنمية، الذي صدر في جدة 1972م.

الثالث: عيسى عبده يرحمه الله:
وجهاده طويل على كافة الأصعدة، وكانت بصمات فكره واضحة في مساهماته في تأسيس بعض المصارف الإسلامية التي نعرفها اليوم مثل: بيت التمويل الكويتي وبنك قطر الإسلامي، وفكره مجموع في كتابه: بنوك بلا فوائد، الصادرة سنة 1970م، عن دار الفكر.
الرابع: محمد باقر الصدر يرحمه الله:
وكتابه، البنك اللاربوي في الإسلام، الذي صدر في أواخر الستينيات الميلادية تضمن الإجابة عن السؤال العريض: كيف نؤسس بنكاً لا يعمل بالفائدة؟ فجمعت الإجابات لتكون مادة الكتاب المذكور وكونت خارطة الطريق لتأسيس مثل ذلك البنك اللاربوي.
الخامس: محمد نجاة الله صديقي أمد الله في عمره:
وقد بدأ الكتابة في الموضوع في نحو سنة 1958م ثم نشر كتابه Banking without Interest سنة 1969م في الهند وباكستان، وتضمن رؤية واضحة وناضجة لهيكل عمل مصرف إسلامي لا يقوم نشاطه على الربا، وفصل في طريقة عمله ومصادر أمواله واستخداماتها وعلاقته بالبنك المركزي والبنوك الأخرى، واستفاد من خلفيته الاقتصادية في تناول المسائل بالطريقة الفنية المعتادة في الدراسات المصرفية.

السادس: محمد عزير:
من الباكستان، في كتابه المختصر An outline of Interest less Banking الذي نشره في كراتشي سنة 1955م. وهو تفصيل لنموذج المصرف الإسلامي ونشره عزير في نحو سنة 1951م في مقال في مجلة اقتصادية في كراتشي، ويمكن القول إن عزير هو أول من قدم نموذج "المضارب يضارب" كأساس لعمل المصرف الإسلامي، وشرحه بطريقة تكشف فهماً دقيقاً لعمل البنوك وإحاطة بالغة بالطريقة التي يمكن أن يعمل من خلالها البديل الإسلامي.
هؤلاء هم الأعلام، إلا ان القائمة تتضمن أسماءاً كثيرةً لها مساهمات ذات بال لكنها جميعاً جاءت بعد تأسيس أول بنك إسلامي. من ذلك مثلاً الدكتور سامي حسن حمود.
فقد أكمل سامي حمود رسالته للدكتوراه عام 1975م ونشرت هذه الرسالة سنة 1976م، وعنوانها تطوير الأعمال المصرفية بما يتوافق والشريعة الإسلامية، ولكنه ضمنها من الأفكار التي كان لها في نظرنا تأثير بالغ على تطور المصرفية الإسلامية وقد ترك رحمه الله بصمات واضحة على تطور المصارف الإسلامية وبخاصة فيما يتعلق بتطوير صيغة المرابحة للآمر بالشراء بديلاً عن القرض الربوي. لكنه بحسب معيارنا لم يكتب إلا بعد سنة 1975م وعليه لم نجعله من المؤسسين.


عدل سابقا من قبل في الخميس 13 ديسمبر - 0:21 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
مدير المنتدى
Admin


عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: البنك الإسلامي بين فكر المؤسسين و الواقع المعاصر   الجمعة 2 نوفمبر - 3:27

نموذج المصرف الإسلامي في فكر المؤسسين :
إذا قلنا إن من سبق ذكرهم هم زبدة الآباء المؤسسين، فإن استقراء فكرهم يكشف أن المصرف الإسلامي – تلك المؤسسة التي تنهض بوظيفة الوساطة المالية بدون الفائدة – يتصف في نظرهم بما يلي :
أولاً: إن أساس عمل المصرف الإسلامي في نظر المؤسسين هو الشركة والمضاربة، فهو يأخذ الأموال من الناس على أساس عقد القراض، ثم يقدمها إلى من يعمل فيها على أساس الاشتراك في الربح والخسارة بعقود المضاربة والمشاركة وغيرها، وهذا اتجاه أجمع عليه المؤسسون حتى أن منهم من قال: إن الحسابات الجارية تستحق جزءاً من الربح وعلى البنك أن يشارك بها مباشرة في المشاريع الصناعية والزراعية ( ).
ثانياً: ليست غاية المصرف الإسلامي عند المؤسسين استبدال الحلال بالحرام في معاملات البنوك فحسب، مع أن هذا مطلب أساس، وهدف محترم، ولا غبار عليه، ولكن المؤسسين تطلعوا إلى مصرف يُعنى بمقاصد الشريعة الإسلامية في المال، فيأخذ على عاتقه وظيفة إعمار الأرض، وتحقيق التوزيع الأمثل للثروة حتى لا تكون دولة بين الأغنياء، ويتبنى أغراضاً ذات طابع اجتماعي عام. ولذلك جاءت كتاباتهم تشير إلى محاربة الفقر من خلال عمل المصرف الإسلامي، وترسخ دور القراض والمشاركة في نشاط المصرف، ومالهما من أثر في تكافؤ الفرص، وإفساح المجال للنابهين من أبناء المسلمين للانخراط في الاستثمارات النافعة دون الحاجة إلى الرهون. لأن البنوك التي تعمل بالديون تشترط الرهن، والرهن لا يستطيعه إلا الأثرياء، ولذلك كانت الثروة دولة بين لأغنياء في ظل نظام القروض الربوية.
ثالثاً: من المحاذير التي نبه إليها الآباء المؤسسون تورط المصرف الإسلامي في المداينات، ولذلك حرصوا على إبعاد البنك الإسلامي عن تراكم الديون، ونبهوا إلى ضرورة ان تحد قدرته على توليد الائتمان لأنه يصبح عندئذٍ في نظرهم بنكاً للأغنياء، فالديون تحتاج إلى رهون، والرهون في أيدي الأغنياء، والديون إذا تراكمت سببت الدورات التجارية التي يذهب ضحيتها الفقراء، وقد استحضروا ما ورد في السنة من الاستعاذة من الدين، وما للدين من آثار سلبية على الفرد والمجتمع.
رابعاً: البنك الإسلامي عند المؤسسين ليس مؤسسة مالية غرضها الوساطة وتحقيق الربح، انه قاعدة لعمل عظيم، هو جزء من نظام مصرفي إسلامي، وهذا النظام متفرع عن حركة شاملة لإصلاح اجتماعي، واقتصادي، بدأ بالمعاملات المالية، ولكنه ينتهي إلى إعادة المجتمعات الإسلامية نظامها الإسلامي الذي اندثر بفعل المستعمر.
خامساً: للمصرف الإسلامي عند المؤسسين وظائف اجتماعية مستمدة من كونه جزءاً من نظام مجتمعي إسلامي، ولذلك نجدهم يذكرون أن على المصرف الإسلامي العناية بالزكاة، وان يكون جمعها وتوزيعها في مصارفها أحد اهتماماته وأحد وظائفه، وأن يكون لكل بنك صندوقاً للرعاية الاجتماعية، وان لا يقتصر عمله على المدن والحواضر بل يعنى بالمناطق الريفية وما إلى ذلك.
تلك هي الصورة التي انطبعت في أذهاب الكثير من أبناء الإسلام لاسيما أولئك الذين عاصروا ولادة المصرفية الإسلامية إنها الصورة الأكاديمية هي النظرية، فما هو التطبيق وكيف شكل الواقع المصرف الإسلامي اليوم.
المصرف الإسلامي اليوم :
إن نظرة فاحصة للواقع المعاصر للمصارف الإسلامية يكشف لنا أن مسار تطورها لم يكن مسار فكر المؤسسين ولم تسر على فكر أولئك العلماء. بل اختطت لنفسها مساراً واضح الاختلاف، وعندما نقول ذلك نحن لا نصف المصارف الإسلامية إلا كما نراها وكما هي لا كما يجب أن تكون أو كما نتمنى أن تكون. نحن نتحدث عن الواقع، ومن أهم صفات المصرف الإسلامي اليوم:
أولاً: المصرف الإسلامي اليوم مؤسسة مالية غرضها تحقيق الربح لحملة أسهمها، تكتسب وصف "الإسلامي" لأنها تقتصر في عملها على الحلال دون الحرام، وهي تستحق هذا الوصف بلا تردد. لكن لا يدخل ضمن تطلعاتها أن يكون لها دور شبيه بما تصوره الآباء المؤسسون مثل جمع الزكاة، أو إعمار الأرض، أو العمل على تحقيق التوزيع العادل للثروة، والدخل في المجتمع، فتلك جميعا تركت لسياسات الحكومات. واكتفى المصرف الإسلامي بالعمل على حصر نشاطه ضمن نطاق المباح كما تقرره هيئته الشرعية.
ثانياً: عمل المصرف الإسلامي اليوم يكاد يعتمد اعتماداً تاماً على المداينات، فهو يقدم التمويل بالمرابحة أو الاستصناع (أو التورق المصرفي) وكل ذلك تتولد عنه الديون في دفاتر البنك. وقليلاً ما نرى المضاربة أو المشاركة بل هي نادرة جداً. نعم لا تزال المضاربة الأساس الذي يعتمد عليه البنك الإسلامي في حسابات الاستثمار (مصادر الأموال للمصرف) لكن هذه المضاربة تفقد أثرها المتوقع على هيكل المصرف الإسلامي عندما نعرف أنها مضاربة يقابلها في جانب الخصوم ديون لا اشتراك في ربح ولا خسارة. فأصبحت مضاربة "شكلية" إذ لا تنتهي إلى توليد الأثر المميز على توزيع الدخل والثروة في المجتمع الذي طالما تحدث عنه المؤسسون في كتاباتهم، وحتى هذه المضاربة هي في سبيل الاختفاء لأن من المصارف الإسلامية اليوم من بدأ يتجه إلى جعل علاقته مع مصادر الأموال أيضاً معتمدة على المداينة (فيما يسمى التورق في جانب الخصوم) فزاد المصرف الإسلامي ابتعاداً عن الصورة التي رسمها المؤسسون.
ثالثا: إن تطور المصرفية الإسلامية يقوده المصرفيون وأرباب البنوك، ولم يعد كبير الصلة بالأكاديميين، والعلماء من ورثة فكر المؤسسين، نعم من المصرفيين البارعين ذوي الغيرة الإسلامية والحرص على رفع الربا عن النظام المصرفي، وهم من الحيوية وسرعة الإيقاع في عملهم بحيث لا يستطيعون انتظار الأكاديميين ليصلوا إلى نتيجة، فإذا قيل وماذا عن الهيئات الشرعية فالجواب إن دورها يكاد ينحصر في التأكيد على أن الابتكارات التي ينتجها المتخصصون في الهندسة المالية تتحقق فيها المتطلبات الشرعية التي تجعلها ضمن نطاق المباح.
يمكن أن نستنتج مما سبق أن المصرفية الإسلامية خلال نحو ثلاثة عقود سارت على مسارين متوازيين :
الأول هو مسار بناء قطاع مصرفي إسلامي وتأسيسه من الصفر والاعتماد في ذلك على فكر علماء مسلمون متخصصون، وهذا مسار البنوك الإسلامية التي عرفناها بالأمس ولا نزال نعرفها اليوم وإن كانت صفاتها اليوم تختلف عن زمن التأسيس. إنه المشروع الذي سعى إلى أن يؤسس لنظام مصرفي إسلامي تفرغ فيه الأفكار والطموحات التي طالما تكرر ذكرها في الخمسينيات والستينيات من القرن الميلادي في كافة بلاد المسلمين، هذا مسار نسميه المسار الأول.
ولكن هناك مسار آخر هو ما يمكن أن نسميه مسار أسلمة البنوك التقليدية القائمة. وهذا لم يقم على فكرة تأسيس قطاع مصرفي إسلامي جديد مستحدث، وإنما قام على تحويل القطاع المصرفي القائم من نطاق المحرمات وجره إلى نطاق الحلال. الفكرة الأساسية التي اعتمد عليها أصحاب هذا المسار هي ان البنوك القائمة في مجتمعات الإسلام بنوك تقليدية تعمل بالربا وان رفع بلوى الربا عن مجتمعات الإسلام لن يتحقق بتأسيس مصارف إسلامية جديدة بل بتحويل المصارف القائمة إلى مصارف إسلامية. وهذا له فلسفته وفكره وأدواته.
قد يبدو أن كلا المسارين جزء من مشروع واحد، والحق أنهما مشروعان مستقلان. والذي يسيطر على قطاع المصرفية الإسلامية اليوم هو المسار الثاني وليس المسار الأول. هذا المسار له سماته المميزة التي ولدت هذا الاختلاف عن المسار الأول. المؤسسون الذين تحدثنا عنهم إنما هم مؤسسون للمسار الأول، ولم يتطرق واحد منهم للمسار الثاني ولم ينظَّر له أو يقترح الضوابط والقواعد لعمله ونشاطه.
وسنحاول فيما يأتي بيان الفرق الأساس بين المسارين لنصل إلى القول أن غلبة المسار الثاني في الوقت الحاضر لا تعني موت المسار الأول وإنما سيلتقيان في نقطة واحدة في المستقبل.
تميز المسار الثاني بسمات لم تلق ما تستحق من عناية ودراسة من قبل الأكاديميين:
الأولى: إن القائمين على هذا المسار يمثلون تحالف مجموعة من المصرفيين الذين يغلب عليهم المهنية وهم عمليون (براغماتيون) يعرفون بالضبط ما يريدون قد حددوا هدفاً واضحاً اتجهت جهودهم للوصول إليه مع مجموعة من علماء الشريعة الذين انحصرت مهمتهم في التأكد من أن ما يجري ابتكاره من صيغ وأدوات يقع ضمن نطاق المباح والحلال. وأن مسار البنك يتجه إلى الهدف المقصود ليس للأكاديميين عظيم دور في هذا المسار بل هم بعيدون عنه، ولذلك يكاد يعدم التنظير ويغلب عليه "العملية".
الثانية: جوهر الفلسفة التي يقوم عليها هذا المسار هو التدرج. لقد تصور الآباء المؤسسون أن المصارف يمكن أن تتحول إلى نظام الإسلام بقرار سياسي، ولكن هذا في نظر أرباب المسار الثاني محض خيال لأن التدرج للتأكيد أن ما يترتب على أي عمل من آثار لا يغلب جوانبها السلبية على جوانبها الإيجابية. ولذلك فإن تحويل جزء من عمل البنك من نطاق الحرام إلى الحلال يعد انجازاً عظيماً في ميزان المسار الثاني حتى لو كان هذا الجزء صغيراً يسيراً لأن المهم هو الاستمرار في المسار حتى يصل إلى منتهاه في وقت يطول أو يقصر. ولا مكان في هذا المسار للمقولة التي يرددها البعض: إما مصارف خالصة أو لا مصارف. لأن ذلك ليس خياراً ممكناً فلا حاجة للتفكير فيه. والتدرج له عند أصحاب هذا المسار تبرير واضح هو أن الأعمال المصرفية هي من التعقيد ومن الخطورة على الاقتصاد الوطني بحيث إن أي تغيَّر مفاجئ لم يعد له الإعداد الكافي ولم تدرس آثاره على عمل المصرف وديناميكية القطاع المصرفي لا تكون في الغالب نتائجه محمودة.
الثالثة: غرض المسار الثاني هو تحويل عمل البنوك القائمة والتي تتوافر على القوة المالية والاستقرار تحويل عملها من نطاق الحرام إلى نطاق الحلال والمباح. ولم يعط القائمون على هذا المسار اعتباراً يستحق الذكر للصورة الكلية، تلك التي تأخذ باعتبارها الآثار القريبة والبعيدة والأهداف والأولويات الاجتماعية. وإنما اكتفوا بالصورة الجزئية أو باستخدام لغة الفقه عنوا بالحلال والحرام ولا أكثر من ذلك.
الرابعة: البنك بالنسبة لهذا المسار مشروع تجاري، وليس هذا مما يعاب على أهل هذا المسار ما دام ان استهداف الربح لا يكون على حساب الالتزام بالمباح والابتعاد عن المحرمات. لكن استهداف الربح ترتب عليه ان ضاق نطاق الخيارات المتاحة ولذلك فإن عملية التحول المذكورة يصعب ان تتوسع من مجرد السعي للحلال والحرام إلى النظر في المقاصد والأغراض البعيدة والمرامي الاجتماعية، فعلى سبيل المثال لا يخفى ما جاءت به الشريعة من النهي عن كثرة المداينات، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الدين. كما لا يخفى ما توصل إليه نظر الاقتصاديين فيما يتعلق بمخاطر الديون على الفرد وعلى المجتمع. ولكن المداينات وسيلة فعالة للمصارف وهي فن هم خبراء فيه كما أنه موافق للمعايير الدولية لعمل المصرف، وفوق ذلك كله هو ما اعتاد عليه الناس في عمل البنوك ولذلك اقتصر الاعتبار عند أهل هذا المسار على التأكيد من أن الديون تقع ضمن نطاق المباح ولكن كثيرها لا يضر في نظرهم.
الخامسة: ديدن أرباب المسار الثاني إيجاد البدائل، فهناك بديل عن القرض، وبديل عن بطاقة الأئتمان، وبديل عن كشف الحساب، وما إلى ذلك، لكل عمل يقوم به المصرف التقليدي بديل، ومرد ذلك أن إيجاد البديل الذي يقدم نفس النتائج الاقتصادية للمنتج التقليدي ويقع ضمن نطاق المباح حري بأن لا يحدث آثاراً يصعب توقعها على نشاط المصرف وربحيته وعلى استقرار القطاع المصرفي وانضباطه بقيود البنك المركزي وقوانين البنوك التي لم تعر المصرفية الإسلامية ما تستحق من عناية واهتمام بل جعلتها تتقيد بنفس القيود والضوابط التي ألزمت بها المصارف الأخرى.
إن المراقب عن كثب لمسار المصرفية الإسلامية، وبخاصة في هذا البلد المبارك لا يفوته أن يلحظ مؤشرات تدل على أن هذا المسار وقد حقق نجاحاً عظيماً ترتب عليه أن قارب عدد من البنوك على التحول الكامل إلى المصرفية الإسلامية. أقول هذا المسار بدأ يستشعر النقص، لذلك وجدنا أحد البنوك الذي أسس حديثاً يعلن في بيان، التزامه بالمصرفية الإسلامية وأنه لن يقتصر على جعل أعماله في نطاق المباح فقط بل سيعنى بمقاصد الشريعة في المال وبإعمار الأرض وبالمصالح الاجتماعية. وكذلك ما صرح به عدة مرات مسؤولون كبار في عدد من البنوك السعودية أنه حان الوقت لكي يعنى البنك بالأولويات الاجتماعية، وأعلنوا عن مشروعات متعددة تدخل ضمن هذا التعريف. وقد بدأت الهيئات الشرعية تعطي هذا الجانب إهتماماً متزايداً. كل هذا يدل على أن مساري التطور المشار إليها هما في سبيل الالتقاء بعد التوازي.
وبهذا نقول إن جهاد الآباء المؤسسين لم يذهب هباءاً منثورا وإنما سيؤتى أكله ولو بعد حين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.،،،
أ. د. محمد علي القري
جامعة الملك عبدالعزيز ـ جدة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
 
البنك الإسلامي بين فكر المؤسسين و الواقع المعاصر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى التمويل الإسلامي :: منتدى المؤسسات المالية الإسلامية :: المصارف الإسلامية-
انتقل الى: