منتدى التمويل الإسلامي

يهتم هذا المنتدى بالدرجة الأولى بعرض مساهمات الباحثين في مختلف مجالات العلوم الاقتصادية، كما يركز على الاقتصاد الإسلامي، و هو موجه للباحثين في الاقتصاد و الطلبة و المبتدئين و الراغبين في التعرف على الاقتصاد و الاقتصاد الإسلامي....مرحباً بالجميع
 
الرئيسيةالبوابةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلقائمة الاعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 الفكر الاقتصادي عند ابن خلدون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مدير المنتدى
Admin


عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: الفكر الاقتصادي عند ابن خلدون   الخميس 25 أكتوبر - 23:42

قراءات في الاقتصاد عند ابن خلدون

المحور الأول: مدخل إلى موضوع البحث

منهج الدراسة (المداخلة):
إننا إذ نتعرض لدراسة النظريات والأفكار و بشكل خاص الاقتصادية منها عند ابن خلدون، إنما تتعرض لها من ثلاثة جوانب:
1. الجانب الأول: اكتشاف النظريات الاقتصادية متعددة المشارب (من مصدر شرعي، أخلاقي أو علمي) والواردة في المقدمة التي وضعها ابن خلدون، و هو ما سوف نتطرق له من خلال المحور الأول من الدراسة.
2. الجانب الثاني: أن تتناول بالتدقيق والتعمق بعض المفاهيم الأساسية التي يدور حولها التفكير الاقتصادي الخلدوني، فنحصل من خلال هذا التدقيق والتعمق على تصور صحيح. وعرض واقع هذا التفكير كما هو بالفعل.
3. الجانب الثالث: محاولة تطبيق بعض الأفكار والمفاهيم الخلدونية على وضعيات اجتماعية معاصرة، وأن نستعملها استعمالاً جيداً ومفيداً في عصرنا، بعد الانتقاء واختيار المناسب مع المحافظة على الصيغة العلمية المحضة. وبذلك نستطيع أن نتجاوز مرحلة الوصف والتحليل إلى مرحلة التطبيق. و بهذا الخصوص سوف نكتفي بعرض فكرة أو مفهوماً لابن خلدون و محاولة استعمالها في الواقع المعاصر، و ذلك من خلال المحور الثاني من دراستنا.

أهمية الأفكار الاقتصادية عند ابن خلدون (أو أهمية البحث):
لعلنا إذا أمعنا النظر في تاريخ الأفكار الاقتصادية، قد نجد ابن خلدون من الأوائل ممن قرر موضوعية الاقتصاد واستقلاله كموضوع من موضوعات العمران الواسع. وإذا كانت الروح الأخلاقية والفكر الإسلامي يطفو على كل اهتمامات هذا العمران، فالقضية قضية مناخ فكري عام. وقضية نظرة شمولية فلسفية.
و نحن كما اشرنا من خلال المنهجية التي سنتبعها في هذه الدراسة، فإننا نعتقد أن البحث في الأفكار الاقتصادية عند ابن خلدون ليس مجرد حصر تاريخي لتلك الأفكار و الآراء لأن ذلك موضوع علم التاريخ، و إنما الهدف هو إثبات أن هذه النظريات ما تزال تصلح للتطبيق في عصرنا هذا ... و من هنا تنبع أهمية هذا البحث.
ما هي أهم اكتشافات ابن خلدون في ميدان الاقتصاد بشكل عام حتى يتاح لنا أن نؤرخ لأفكاره وحتى نتمكن من إعطائه مكانته بين مفكري الاقتصاد؟.
إن أهم الاكتشافات الخلدونية كانت في شبه قوانين اقتصادية يمكن تلخيصها فيما يلي:
1. إثبات موضوعية الحياة الاقتصادية، وتحديد ظاهراتها الأساسية مع إبراز منهج أولي لإدراك الواقع الاقتصادي منعزلاً أو متصلاً مع الواقع المجتمعي بأكمله.
2. الإلحاح على أن الحياة الاقتصادية مربوطة بالأرض، وهذا فيما يخص تاريخية هذه الحياة وأسس انطلاقتها، مع الإقرار أنه قد يحصل شبه استقلال عن الأرض في الحياة المدنية التي تعتمد كثيراً على اختراعات الإنسان.
3. التأكيد بأن العمل الإنساني هو تقريباً مصدر كل المعاش، وأنه لا معنى للخيرات الأرضية بدون عمل إنساني. هذا مع تصنيف للأعمال إلى أعمال طبيعية هي الأعمال المنتجة، وغير طبيعية وهي الأعمال التي يعتمد أصحابها على استغلال إنتاج الآخرين.
4. إثبات أن الحياة المعاشية تمتد آثارها إلى مختلف النشاطات والميادين المجتمعية الأخرى من سياسة وسلوك أخلاقي وتنظيمات.
5. التأكيد بأن الصراع مستمر بين المجموعات التي يتباين ويتناقض معاشها، ويتلخص ذلك في الصراع الدائم بين البدو أهل المعاش الزراعي والرعوي المقتصر على الضروري، والإقطاعية السلطانية ومن حولها من الطبقات التي تعتمد على المعاش الحضري المترف المستمد ترفه من استغلال الطبقات المنتجة.

الدراسات السابقة حول الفكر الاقتصادي عند ابن خلدون:
الحقيقة أن الدراسات عن ابن خلدون و بكل ما تعلق به من أفكار و آراء كثيرة جداً لا يمكن حصرها. و إذا كان البعض قد اعتبر أن ابن خلدون لم يترك علماً إلا و تناول منه جزءًا، فمن التاريخ إلى السياسة إلى الملك إلى الاقتصاد....فإن علم الاقتصاد و الذي لم يكن آنذاك شأنه شأن كثير من العلوم مستقلاً عن العلوم الاجتماعية قد حاز اهتماماً كبيراً من جانب ابن خلدون. و مع ذلك كله، يبقى هذا الجانب من الفكر الخلدوني واحداً من الجوانب التي لم يتم الاعتناء بها كامل الاعتناء مقارنة بالجوانب الأخرى للفكر الخلدوني، هذا على الرغم من أنه لا يمكن الادعاء بأنه جانب وقع إهماله، إذ خصصت له دراسات، سواء كانت دراسات اقتصادية مستقلة أو دراسات جاءت ضمن الأبحاث الاجتماعية.و من بين الدراسات التي خصصت للاقتصاد عند ابن خلدون نذكر مثلاً:
• "النظريات الاقتصادية عند ابن خلدون" للدكتور عبد المجيد مزيان، قد تناول فيها الباحث واقع المجتمع الإسلامي اقتصادياً، و الطبقية و الإنتاج و علاقات الإنتاج و العمل...و جاء كتابه في شكل سرد وصفي.
• "رائد الاقتصاد: ابن خلدون"، للدكتور محمد علي نشأت.
• "Les idées économiques d'Ibn Khaldoun"
للأستاذ صبحي محمصاني. و على الرغم من أن العنوان يشير إلى الأفكار الاقتصادية عند ابن خلدون إلا أن الباحث يركز بشكل أساسي على الطابع القانوني.
• « Ibn Khaldun contribution to the science Economics »
و هذه الدراسة للأستاذ سليما عبادي، و قد تطرق من خلالها لبعض النظريات الاقتصادية عند ابن خلدون منها مثلاً توازن السوق، النمو الاقتصادي، نظرية القيمة، المالية العامة....

و غيرها من الدراسات كثير.
و نحن هنا لسنا بصدد تناول الآراء الاقتصادية لابن خلدون فليس هنا مقامها، و إنما نعرضها مجملة ثم نكتفي بأخذ نقطة واحدة من التحليل الاقتصادي لابن خلدون و تحليلها تحليلاً مفصلاً. و قد وقع اختيارنا على فكرة أثارت و تثير الكثير من الجدل لدى المفكرين الاقتصاديين المعاصرين، و بشكل خاص في الولايات المتحدة الأمريكية، و هي ما اصطُلح على تسميته أثر لافر، و هو نفسه مبدأ "الضريبة تقتل الضريبة". و هذا الأثر أو المبدأ و الذي هو أحد أهم ركائز مفكري اقتصاديات العرض.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
مدير المنتدى
Admin


عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: الفكر الاقتصادي عند ابن خلدون   الخميس 25 أكتوبر - 23:42

المحور الثاني: الفكر الاقتصادي عند ابن خلدون
• المنهج الاقتصادي والاجتماعي لابن خلدون من خلال كتابه المقدمة:
اشتهر ابن خلدون بمقدمته التي هي جزء من كتابه الضخم الذي ألفه في التاريخ العام وسماه: "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر"، وهذا الكتاب يشمل المقدمة ومعها:
1. الكتاب الأول: في العمران وطبيعته.
2. الكتاب الثاني: ويشتمل على أخبار العرب وأجيالهم.
3. الكتاب الثالث: فيعرض لنا أخبار البربر ومن يليهم.
وقد عالج ابن خلدون واقعات العمران البشري، التي تشمل كل القواعد في الاتجاهات العامة التي يسلكها أفراد المجتمع في تنظيم شؤونهم الجماعية، وضبط العلاقات وتنسيقها.
أولاً: إخضاعه الظواهر الاجتماعية للقوانين:
فابن خلدون إذ يخضع الظواهر الاجتماعية للقوانين، فهو يبحث عن مدى الارتباط بين الأسباب والمسببات، ولم يكتف بالوصف وعرض الوقائع وبيان ما هي عليه، وإنما اتجه اتجاهاً جديداً في بحوثه الاجتماعية، جعله يعلن بصراحة أن التطور هو سنة الحياة الاجتماعية، وذلك لأن الظواهر الاجتماعية غير قابلة للركود والدوام على حالة واحدة، ومن ثَمّ كانت الأنظمة الاجتماعية متباينة حسب المكان والزمان: "إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة، وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول".
فإذا كانت العلوم الرياضية وما شابهها تعالج أموراً مستقرة، فعلم الاجتماع يعالج مواضيع تختلف من جيل إلى جيل، ومن منطقة إلى أخرى. لذلك يرى ابن خلدون أنه يتحتم على الباحث الاجتماعي أن يبحث عن هذا الاختلاف، متخذاً الحذر والحيطة حتى لا ينساق وراء الخيال والمغالطات.
وقد اعتمد ابن خلدون في بحوثه على ما لاحظه في الشعوب التي عاصرها، واحتك بها ووازن بينها وبين سابقيها، ودرس العلاقات الاجتماعية، وذلك بأن جمع معلوماته من التاريخ، ثم أخضعها للعقل، ومن هنا تتجلى أصالته المنهجية. ولا أدلّ على ذلك من كونه يقرر أن العصبية نوع خاص من القرابة داخل ترابط مجتمعي.
ثانياً: استخدامه المنهج الاستقرائي
ابن لابن خلدون منهجاً استقرائياً استنتاجياً، يعتمد فيه على الملاحظة، ثم الدخول في الموضوع، وبدون فكرة مبيتة، لذلك جاءت قوانينه أقوى أساساً، وأمتن بنياناً، وأقرب إلى وقائع الأمور.
وهكذا سار على منهج علمي سليم، وإن كان استقراؤه ناقصاً بعض الشيء، لأن كثيراً من القوانين والأفكار التي وصل إليها لا تطبق إلا على أمم عاصرها في فترة معينة.
• أبحاث ابن خلدون في المواضيع الاقتصادية. أو الفكر الاقتصادي عند ابن خلدون
ممَّا يميز نظريات ابن خلدون السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية أنَّ أكثرها قابل للتطبيق في كل زمان ومكان.
كما يعد ابن خلدون أول مفكر عالمي يرى أهمية الاقتصاد للسياسة، ففي الفصل الذي بعنوان « نقصان الدفع يؤدي إلى نقصان الإيراد» يقول : "السبب في ذلك أنَّ الدولة والسلطان هما السوق الأعظم في العالم... إذا حجب السلطان البضائع والأموال والإيراد، أو فقدت فلم يصرفها في مصارفها قلَّ حينئذ ما بأيدي الحاشية والحامية ، وقلَّت نفقاتهم ، وهم معظم المشترين (السواد) وهجرت الأسواق (يقع الكساد) وتضعف أرباح المنتجات ،فتقل الجبايات لأنَّ الجبايات والضرائب تأتي من الزراعة والتجارة والتبادل التجاري الجيد والمعاملات التجارية ،وطلب الناس للفوائد والأرباح ،ووبال ذلك عائد على الدولة بالنقص لقلة الجبايات الناتجة عن نقصان ثروة الحاكم أو الدولة ... فالمال إنَّما هو متردد بين الحاكم والرعية منه إليهم ومنهم إليه ،فإذا منعه (حبسه عنده) فقدته الرعية".
فهنا نجد ابن خلدون قد اعتبر الدولة هي السوق الأعظم أو قوة إنتاجية أو سوق منتجة ،فإن كسدت وقلَّت مصارفها لحِقَ الكساد بقية السوق ، وما توصل إليه ابن خلدون في هذا يعتبر اليوم من مفاخر علم الاقتصاد.
فقد اعتبر الدولة منتجة بحمايتها لمصادر الإنتاج ، وتأخذ الضرائب مقابل حمايتها لهذه الثروات، ويرى أنَّ قلة الضرائب تؤدي إلى زيادة الاعتماد لتزايد الاغتباط بقلة المغرم ،وبزيادة الضرائب يحدث العكس.
أولاً: نظرية القيمة والأثمان عند ابن خلدون.
لقد سبق ابن خلدون آدم سميث في وضع أسس نظرية القيمة والأثمان وهي من أدق الأمور في الاقتصاد، وبذلك يعد ابن خلدون رائدا عظيما في علم الاقتصاد.
و عموماً فإن نظرية القيمة عند ابن خلدون تقترب من نظرية مارشال، فحسب مارشال تقاس بالعرض المرتبط بالتكلفة و فرص الطلب المرتبطة بالمنفعة. و يقول ابن خلدون بهذا الشأن أن القيمة تُقاس بالغبن ـ التكلفةـ و اللذة ـ المنفعةـ.
إن الحديث عن نظرية القيمة عند ابن خلدون، لا بد أن يسبقه التطرق لمفهومين يحددان معالم هذه النظرية عند ابن خلدون، و هذان المفهومان هما: "الرزق" و "الكسب".
و يعتبر ابن خلدون الكسب على أنه القيمة المحققة من العمل. و إذا كانت هذه المكاسب أو الأرباح مساوية لقيمة الضروريات و الحاجات، فإننا نسميها "معاشاً"، أما الباقي أو الفائض فيُستخدم في تراكم رأس المال. أما ما يتحقق للإنسان من جهده الخاص فيسمى حسب ابن خلدون كسباً. من خلال ما سبق يمكننا أن ندرك فعلاً أن ابن خلدون قد سبق ادم سميث في نظرية القيمة بأربعة قرون ....
ثانياً: نظرية النقود عند ابن خلدون.
للنقود في نظر ابن خلدون خاصية ترتبت عليها وظيفتان : أمَّا الخاصية فهي الثبات النقدي.
وأمَّا الوظيفتان فهما : اتخاذ النقود أداة مبادلة ،وفي الوقت نفسه اتخاذها أداة ادخار.
وفي الإشارة إلى خاصية الثبات النقدي ، يقول : « وإن اقتنى سواهما -أي الذهب والفضة- في بعض الأحيان ـ فإنَّما هو لقصد تحصيلهما بما يقع في غيرهما من حوالة الأسواق التي هما عنها بمعزل.
ثُمَّ هي أداة مبادلة عند ابن خلدون لأنَّها «قيمة لكل متمول» ،أو «مستودع القيمة» ، وإلاَّ لم يحصل أحد من اقتنائها على شيء ،وهي عنده أيضاً أداة ادخار حيث يقول : «إنَّ الذهب والفضة هما الذخيرة والقنية لأهل العالم غالباً.
وممَّا لاشك فيه أنَّ ظاهرة الثبات النقدي كانت السبب الأول في صيرورة الذهب والفضة مستودع القيمة، وفي اتخاذها أداة للادخَّار والمبادلة.
وكون الذهب والفضة بمعزل عن حوالة الأسواق التي تحدث لغيرهما عند ابن خلدون يرجع إلى أنَّ الإنتاج منهما ليس مضموناً ،حيثُ أنَّ نتيجة استغلال أي منجم منهما تخضع لعدة عوامل مختلفة ، حتى أنَّ النتيجة قد تكون معاكسة ، ومن ثَمَّ فقد كان للطابع الاحتمالي للإنتاج ،بالإضافة إلى ضآلة القدر المنتج بالفعل بالنسبة للموجود في الأسواق ،الأثر الكبير في جعل عرض الذهب والفضة في الأسواق يكاد يكون ثابتاً بصورة منتظمة دائما.
• العلاقة بين النقود وبين القدرة الإنتاجية للدولة:
لقد اكتشف ابن خلدون أنَّ قوة الدولة وتقدمها العمراني «الحضاري» لا يُقاس بمقدار ما يتوافر لها من معادن كالذهب والفضة، وإنَّما يكون نتيجة لقدرتها على الإنتاج الذي يجلب لها الذهب والفضة ، فيقول : «إنَّ الأموال من الذهب والفضة ، والجواهر والأمتعة ،إنَّما هي معادن ومكاسب كالحديد والنحاس والرصاص ،وسائر العقارات والمعادن ،والعمران يظهرها بالأعمال الإنسانية ،ويزيد فيها أو ينقصها ،وما يوجد منها بأيدي الناس فهو متناقل متوارث ،وربما انتقل من قُطرٍ إلى قُطر ،ومن دولة إلى دولة أخرى بحسب أغراضه ،والعمران الذي يستدعى له ،فالنقود يوفرها أو ينقصها العُمران.
ويضرب مثلاً لذلك : «أقطار المشرق مثل مصر والشَّام وعراق العجم والهند والصين ،وناحية الشمال ،وأقطار ما وراء البحر الرومي لما كثر عمرانها ،كيف كثر المال فيها وعظمت دولها ،وتعددت مدنها وحواضرها ، وعظمت متاجرها وأحوالها ... فإنَّه يبلغنا في باب الغنى والرفاهية غرائب تسير الركبان بحديثها ،وربما تتلقى بالإنكار ،ويحسب من يسمعها من العامة أنَّ ذلك لزيادة أموالهم ،أو لأنَّ المعادن الذهبية والفضية أكثر بأرضهم، أو لأنَّ ذهب الأقدمين من الأمم استأثروا به دون غيرهم ،وليس كذلك ،فمعدن الذهب إنَّما هو من بلاد السودان ،وجميع ما في أرضهم من البضاعة ،فإنَّما يجلبونه إلى غير بلادهم للتجارة ،فلو كان المال عتيداً موفوراً لديهم لما جلبوا بضائعهم إلى سواهم يبتغون بها الأموال، ولاستغنوا عن أموال الناس بالجملة.
وهذا الكلام من ابن خلدون في توضيح العلاقة بين كمية النقود وبين القدرة الإنتاجية في الدولة ،وأثر هذه القدرة على عمرانها يوضح مدى تفوق ابن خلدون على التجاريين في تحليل وظيفة النقود ،كما يظهر أيضاً تفوقه على آدم سميث الذي كان يرى أنَّ التجارة الخارجية إنَّما هي تصريف الفائض عن الاستهلاك المحلي ،حيث بيَّن ابن خلدون أنَّها تكون لتبادل المنفعة وللحصول على الذهب والفضة ابتغاء الحصول بهما على السلع الأخرى.
• العلاقة بين الرخاء وبين سرعة تداول النقود في « نظرية ابن خلدون:
يرى ابن خلدون أنَّ النقود يوفرها أو ينقصها العمران، فالعمران بما يحققه من رخاء نتيجة للنقود التي يجلبها للبلاد الغنية يؤدي إلى سرعة تداول النقود ، وكثرة التعامل فينتج عن ذلك ارتفاع كمية النقود المتبادلة ، فهو يقول : «إنَّ المصر يؤدي إلى كثرة التعامل ،واستفحال العمران وتأثر الثروات الكبيرة» كما يقول : «إنَّ العمران يظهر النقود. بالأعمال الإنسانية ،ويزيد فيها أو ينقصها.
وهكذا يقرر ابن خلدون أهمية سرعة التداول للمال وأثرها على : زيادة العمران ،وزيادة الأموال بينهما ،بينما يحل الكساد إذا كان هناك إبطاء في حركة التداول.
ثالثاً: سبْق مالتس إلى نظرية تزايد السكان
ومن العجيب أن هذا الباحث الاقتصادي الإسلامي قد تحدث في المقدمة عن القوانين التي يسير عليها التزايد في النوع الإنساني، وبذلك سبق "مالتس" الإنجليزي في نظريته التي اشتهر بها، وهي نظرية "تزايد السكان". ومالتس من علماء الاقتصاد الإنجليزي، ولد سنة 1766م وتوفي سنة 1842م، ويعدّ من المنشئين لعلم "الديموغرافيا" أو علم إحصاء السكان، وهو من العلوم الاقتصادية. وقد وضع مالتس في ذلك كتاباً أسماه "تزايد السكان" وظهر هذا الكتاب سنة 1803م. واستخلص مالتس من دراساته لظاهرة التزايد في النوع الإنساني أن السكان يتزايدون كل خمس وعشرين سنة بنسبة متوالية هندسية (1، 2، 4، 8، 16، 32...)، إذا لم يوقف تزايدهم عائق خارجي. وابن خلدون الذي كان قبل مالتس بأكثر من أربعمائة سنة قد تعرض لهذا النظرية، وإن لم يعن بتفصيل الحديث عن أجزائها، ووضع قانوناً محدداً لها، كما فعل مالتس.
رابعاً: أبحاث في الصناعات و الأعمال.
وتحدّث في المقدمة عن الفلاحة والبناء والتجارة والحياكة والخياطة والوراقة وغيرها، وقد لخص كتاب تاريخ فلاسفة الإسلام المواضيع التي طرقها في مقدمته،فقال عن الباب الخامس من الكتاب الأول: " الباب الخامس من الكتاب الأول في المعاش و وجوبه من الكسب و الصنائع و ما يعرض في ذلك كله من الأحوال و فيه مسائل- الفصل الأول في حقيقة الرزق و الكسب و شرحهما و أن الكسب هو قيمة الأعمال البشرية..." و وصفَ أمهات الصناعات في أيامه، كالزراعة والعمارة والنسيج والتوليد والطب والورق وغيره.
لقد قسم ابن خلدون النشاطات الاقتصادية إلى ثلاثة نشاطات، هي:
• الزراعة: و هذه يمكن لأي أحد مزاولتها و لا تحتاج حسبه إلى مهارات خاصة.
• التجارة: و هي خاصة بفئة معينة و تتطلب أيضاً خصائص مميزة لمن يزاولها...
• الصناعة: و هي تتطلب مهارات خاصة لا تتوفر إلا لدى القليلين فهم يختصون بها دون غيرهم.
خامساً: أبحاثه في الجباية و آثارها على الاقتصاد.
و قد خصص لها ابن خلدون الكثير من كتابه المقدمة، و تناول جوانب عدة منها، بل و خصص لها فصولاً منها مثلاً الفصل الثامن و الثلاثون الذي عنونه: "الفصل الثامن و الثلاثون في الجباية و سبب قلتها و كثرتها ".
و ستكون هذه الأخيرة أي الجباية و آثارها على الاقتصاد هي موضوع المحور الثالث من دراستنا، و قد خصصناه لذلك خاصة و أن هذا الموضوع مستجد و لا زال يثير الكثير من الجدل.
سادساً: توازن السوق.
في سوق المنافسة الحرة أو السوق الحرة، فإن آلية السعر هي التي تحدث التوازن في هذه السوق. في النظريات الاقتصادية يعتبر والراس هو أول من أشار إلى ذلك. لكننا سنجد أن ابن خلدون قد أشار إلى هذه الفكرة.
يقوم قانون التوازن الوالراسي على أن: " إذا كان هناك فائض في العرض، فإن الأسعار تنخفض. بينما يؤدي فائض الطلب إلى ارتفاع الأسعار".
ابن خلدون أشار إلى هذا القانون من خلال مقدمته في موضعين. الأول: عندما أراد شرح انخفاض أسعار الغذاء بينما تبقى أسعار الكماليات مرتفعة. الثاني: عندما يناقش تجارة و نقل الأطعمة من طرف التجار من مدينة إلى أخرى.
يقول ابن خلدون: " اعلم أن الأسواق كلها تشتمل على حاجات الناس فمنها الضروري..... و منها الحاجي والكمالي"...
"فإذا استبحر المصر و كثر ساكنة رخصت أسعار الضروري من القوت و ما في معناه و غلت أ سعار الكمالي من الأديم و الفواكه و ما يتبعها و إذا قل ساكن المصر و ضعف عمرانه كان الأمر بالعكس من ذلك "
ثم يشرح ابن خلدون ذلك:
"و السبب في ذلك أن الحبوب من ضرورات القوت فتتوفر الدواعي على اتخاذها إذ كل أحد لا يهمل قوت نفسه و لا قوت منزله لشهر أو سنته فيعم اتخاذها أهل المصر أجمع أو الأكثر منهم في ذلك المصر أو فيما قرب منه لا بد من ذلك. و كل متخذ لقوته فتفضل عنه و عن أهل بيته فضلة كبيرة تسد خلة كثيرين من أهل ذلك المصر فتفضل القتوات عن أهل المصر من غير شك فترخص أسعارها في الغالب إلا ما يصيبها في بعض السنين من الآفات السماوية و لولا احتكار الناس لها لما يتوقع من تلك الآفات لبذلت دون ثمن و لا عوض لكثرتها بكثرة العمران. و أما سائر المرافق من الأدم و الفواكه و ما إليها لا تعم بها البلوى و لا يستغرق اتخاذها أعمال أهل المصر أجمعين و لا الكثير منهم ثم أن المصر إذا كان مستبحراً موفور العمران كثير حاجات الترف توفرت حينئذ الدواعي على طلب تلك المرافق و الاستكثار منها كل بحسب حاله فيقصر الموجود منها على الحاجات قصوراً بالغاً و يكثر المستامون لها و هي قليلة في نفسها فتزدحم أهل الأغراض و يبذل أهل الرفه و الترف أثمانها بإسراف في الغلاء لحاجتهم إليها أكثر من غيرهم فيقع فيها الغلاء كما تراه. "

وباختصار، فإن عبد الرحمن بن خلدون الباحث الاجتماعي والاقتصادي والسياسي سيظل في نظر الباحثين حجة في كل ما يتعلق بالحياة الاجتماعية والاقتصادية، وستظل نظرياته الواردة في مقدمته صالحة للاستفادة منها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
 
الفكر الاقتصادي عند ابن خلدون
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى التمويل الإسلامي :: منتدى الإقتصاد الإسلامي :: الفكر والتراث الاقتصادي الإسلامي-
انتقل الى: