منتدى التمويل الإسلامي

يهتم هذا المنتدى بالدرجة الأولى بعرض مساهمات الباحثين في مختلف مجالات العلوم الاقتصادية، كما يركز على الاقتصاد الإسلامي، و هو موجه للباحثين في الاقتصاد و الطلبة و المبتدئين و الراغبين في التعرف على الاقتصاد و الاقتصاد الإسلامي....مرحباً بالجميع
 
الرئيسيةالبوابةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 الإعجاز التشريعي في الزكاة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مدير المنتدى
Admin
avatar

عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: الإعجاز التشريعي في الزكاة   الجمعة 11 يناير - 1:34

الإعجاز التشريعي في الزكاة
(أوجهه ومعاييره ودلالاته الاجتماعية )
أ.د/ رفعت السيد العوضي
أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر
المؤتمر العالمي الثامن للإعجاز العلمي في القرآن والسنة
مقدمـــة:

يستهدف هذا البحث اكتشاف الإعجاز التشريعي في الزكاة. وسوف يقتصر على وعاء الزكاة كما تحدد في عصر النبوة.

لتحقيق هدف البحث سوف تناقش ثلاثة موضوعات. الموضوع الأول عناصر في فقه وعاء الزكاة. وهذا الموضوع يوفر المعرفة المطلوبة عن فقه الزكاة في موضوع البحث وهو وعاء الزكاة في عصر النبوة.

الموضوع الثاني التحليل الاقتصادي والمالي لوعاء الزكاة. وهذا الموضوع يوفر المعلومة الاقتصادية المطلوبة التي يمكن على أساسها تحديد الإعجاز التشريعي في الزكاة.

الموضوع الثالث أوجه الإعجاز في تشريع الزكاة من حيث الوعاء. وهذا الموضوع هو هدف البحث. ويكون قد تم الوصول إليه في سياق تسلسل مقبول.

بناء على هذا التصور لعناصر البحث فإنه سوف يعرض في مبحث تميدي ثم ثلاثة مباحث هي:

المبحث الأول: عناصر في فقه وعاء الزكاة.

المبحث الثاني: التحليل الاقتصادي والمالي لوعاء الزكاة: رؤية إعجازية كلية.

المبحث الثالث: أوجه الإعجاز في تشريع وعاء الزكاة.


مبحث تمهيدي



1- وعاء الزكاة مصطلح يقصد به الأموال التي تجب فيها الزكاة. هذا المصطلح لم يستخدمه الفقهاء الذين كتبوا عن الزكاة إلا أننا لا نجد سبباً يمنع استخدامه في كتاباتنا الحديثة عن الزكاة. هذا المصطلح (الوعاء) شائع الآن استخدامه في الفكر المالي، والزكاة هي نظام مالي، إننا نجد في مصطلح وعاء الزكاة تحديداً فنياً مما يدعم استخدامه، وذلك لأنه يسع الدخل والثروة ويسع الأنشطة الاقتصادية وهي المصطلحات المألوفة في الكتابات الاقتصادية والمالية.

2- التحليل الاقتصادي لوعاء الزكاة له أهميته، بل إنه يمكن القول إنه لا يمكن إعطاء حكم زكوي صحيح للدخول والثروات والأنشطة الجديدة إلا إذا عرف التحليل الاقتصادي للأموال التي وجبت فيها الزكاة في عصر النبوة، وكذلك طبيعة الدخول والثروات في الاقتصاد المعاصر.

3- تتأكد أهمية التعرف على التحليل الاقتصادي للزكاة إذا عرفت طبيعة التشريع في الأموال التي تجب فيها الزكاة وفي مصارف الزكاة. مصارف الزكاة تحددت تحديداً قطعياً في القرآن الكريم في قول الله عز وجل ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾[التوبة: 60].

أما بشأن الأموال التي تجب فيها الزكاة فإنها لم تتحدد في أنواعها على هذا النحو المفصل. يتفق الفقهاء على أن الأموال التي تجب فيها الزكاة تتحدد بقاعدة النماء. تحديد وعاء الزكاة على هذا النحو فيه حكمة سامية تجعل الزكاة معجزة تشريعية اقتصادية، إن الأنشطة الاقتصادية ومصادر الدخول وأشكال الثروات متجددة ومتطورة ولو تحددت الأموال التي تجب فيها الزكاة في عصر النبي عليه الصلاة والسلام تحديداً مفصلاً فإنها كانت ستتحدد بناء على الأموال الموجودة في هذا العصر وبالتالي كان سيمنع أن يدخل في وعاء الزكاة الأنشطة الاقتصادية والدخول والثروات التي تستجد بعد ذلك. لزيادة توضيح هذا المعنى نقارن بين الحياة الاقتصادية في عصر النبي صلى الله عليه وسلم والحياة الاقتصادية في عصرنا، هذه المقارنة تكشف عن أنه توجد اختلافات جذرية في أشكال الأنشطة الاقتصادية وفي مصادر الدخول وفي أنواع الثروات ولم يكن متصوراً أن تذكر أنواع هذه التطورات في الحياة الاقتصادية. لنا أن نتصور ما كان يمكن أن يحدث لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «تجب الزكاة في شركات الطيران أو في شركات الاتصالات، هذه الأموال وغيرها لم يكن من الممكن تصورها للمعاصرين للرسول صلى الله عليه وسلم بل ولمن جاء بعدهم بقرون كثيرة حتى عصرنا الحديث.

4- لزيادة الاقتناع بأهمية التحليل الاقتصادي لوعاء الزكاة نشير إلى الآتي: لو سئل فقيه عن الحكم الشرعي لما يعرف باسم طفل الأنابيب فإنه لا يمكن أن يعطى إجابة صحيحة إلا إذا شرح له طبيب كيف تتم هذه العملية وهل هي بين زوجين أم لا. بنفس المنهج نقول إن الزكاة تشريع اقتصادي ومالي والذي يعرف ذلك هو الذي يستطيع بيان طبيعة ما يستجد من دخول وثروات وأنشطة اقتصادية، وكذلك بيان ما تناظره من الأموال التي فرضت عليها الزكاة في عصر النبي عليه الصلاة والسلام، والمناظرة في طبيعة الدخل أو الثروة وليست في نوعه.

5- التحليل الاقتصادي الذي نقدمه عن وعاء الزكاة سوف نجعله خاصاً بالأموال التي دخلت في وعاء الزكاة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ، نستهدف من ذلك تحقيق هدفين. الأول هو اكتشاف الطبيعة الاقتصادية للأموال التي فرضت عليها الزكاة في هذا العصر، الهدف الثاني هو استنباط المعايير الاقتصادية التي على أساسها تصنف هذه الأموال من حيث نوع المال (دخل أو ثروة)، ومن حيث النصاب، ومن حيث المعدل.

6- سوف نحاول أن نحقق من هذا البحث هدفاً كلياً رئيسياً هو: إثبات أن الزكاة معجزة تشريعية اقتصادية.

7- التحليل الاقتصادي لوعاء الزكاة عمل يروده هذا البحث، وهو يتأسس على فكر اقتصادي، هذا الفكر الاقتصادي يمكن وصفه بأنه ينطبق عليه القول الآتي: إنه من المعلوم بالضرورة في الدراسات الاقتصادية.

8- فيما يتعلق بالمصادر والمراجع؛ الفقرة الأولى بالبحث موضوعها عناصر في فقه الزكاة ويمكن القول عن هذا الفقه: إنه من المعلوم بالضرورة في فقه الزكاة، وقد أسند بعض ما جاء فيه إلى المصادر والمراجع الفقهية. الفقرة التي جاءت بعد ذلك تداخل فيها الفقه مع الاقتصاد، ومن حيث الفقه فقد سبقت الإشارة إليه أما الاقتصاد فإنه رؤى للباحث في الموضوع ولذلك لم تظهر فيه مراجع لهذا السبب. الفقرة الثالثة والأخيرة والتي موضوعها أوجه الإعجاز في تشريع وعاء الزكاة ومعايير هذا الإعجاز فإنها بمثابة نتائج وهي رؤى للباحث ولذلك لم تظهر فيها مراجع.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
مدير المنتدى
Admin
avatar

عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: الإعجاز التشريعي في الزكاة   الجمعة 11 يناير - 1:35

المبحث الأول

عناصر في فقه وعاء الزكاة



تمهيد

1- تعريف الزكاة

الزكاة هي الجزء المقدر الواجب دفعه على مالك النصاب بالنية ليصرف في مصارف معينة([1]).

2- الزكاة ركن من أركان الإسلام

حدثنا ابن عمر رضي الله تعالي عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا»([2]).

يدل هذا الحديث على أن الزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة ؛ أي التي يقوم بها ويرتكز عليها. وتكيف الزكاة على أنها عبادة مالية.

3- شروط الزكاة: أجمع علماء الإسلام على أن الزكاة تجب على المسلم الحر([3]). وقد ترجح القول بوجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون([4]).

4- لم يحدد القرآن الكريم الأموال التي تجب فيها الزكاة، كما لم يفصل المقادير الواجبة في كل منها وترك ذلك للسنة القولية والفعلية. والشروط التي تشترط في المال الذي تجب فيه الزكاة هي([5]):

- الملك التام.

- النماء.

- بلوغ النصاب.

- الفضل عن الحوائج الأصلية.

- السلامة من الدين.

- حولان الحول (في الأموال التي يشترط فيها ذلك).

5- الأموال التي فرضت عليها الزكاة في عصر النبوة خمسة هي: الذهب والفضة، الزروع والثمار، عروض التجارة، الثروة الحيوانية، الثروة المعدنية([6]). وسوف نعرض شيئاً من فقهها مع تحليل اقتصادي.

أولاً: الذهب والفضة:

1- فرضت الزكاة على الذهب والفضة وذلك ثابت بالكتاب والسنة والإجماع([7]). نريد أن نتعرف على الطبيعة الاقتصادية لهذا النوع من الأموال. التحليل الاقتصادي لهذا المال يبين أنه ثرة، والثروة تعرف بأنها: كل ما يمتلكه الشخص وتكون له قيمة تبادلية ([8])، الذهب والفضة لهما قيمة تبادلية فإذا امتلكهما شخص فإنهما يصبحان جزءاً من ثروته.

2- أجمع المسلمون على وجوب الزكاة في النقود([9]) وأن تعامل زكوياً معاملة الذهب والفضة. وذلك لأنها ثروة (سائلة). من فقه الزكاة نعرف أنه يشترط لوجوب الزكاة في هذه الثروة أن يمر عليها عام كامل. المعنى الاقتصادي لذلك هو أن هذه الثروة ظلت مكتنزة أي عاطلة لمدة عام كامل، إنها لم تشارك في الحياة الاقتصادية للمجتمع، إنها لم تعمل، لم تنتج، لم يستفد منها صاحبها وكذلك لم يستفد منها المجتمع، بعبارة اقتصادية إنها ثروة أو ادخارات لم تستثمر.

3- ونحن نحاول التعرف على الطبيعة الاقتصادية لهذه الثروة نقترح أن ندخل في الاعتبار قول الرسول صلى الله عليه وسلم : «اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة»([10]). النتيجة التي تترتب على هذا القول أن هذه الثروة لو اتجر بها، أي أصبحت مشغلة، أصبحت عاملة، أصبحت

منتجة، أصبحت مفيدة لصاحبها وللمجتمع فإنها سوف تأخذ حكماً زكوياً آخر غير الحكم الذي تخضع له إذا ظلت ثروة عاطلة.



ثانياً: الزروع والثمار: الزكاة فيها ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع([11]):

1- الزروع والثمار متولدة عن استغلال ثروة وهي الأرض. المصطلح الاقتصادي الذي يستخدم هو الدخل، يعرف الدخل بأنه العائد الذي يحصل عليه الشخص الذي يقدم عملاً (الأجر) أو يقدم رأس مال أو يقدم أرضاً([12]). الأرض بهذا التعريف تكون مصدراً للدخل.

2- التحليل الاقتصادي لهذا النوع من الأموال التي دخلت في وعاء الزكاة يبين أن الثروة إذا كانت عاملة، أي منتجة، أي مفيدة لصاحبها وللمجتمع فإن الزكاة لا تفرض على عين الثروة وإنما تفرض الزكاة على الدخل الذي يتولد من تشغيل هذه الثروة. بعبارة أخرى الثروة التي تصبح أصلاً رأسمالياً منتجاً لا تفرض الزكاة على عين هذا الأصل وإنما تفرض على الدخل الذي يتولد منه.

3- ونحن نحاول التعرف على الطبيعة الاقتصادية لهذا النوع من الأموال الزكوية نقترح أن نأخذ في الاعتبار المناقشة الفقهية عن الموضوع الآتي: الزكاة هل هي حق الأرض أو حق الزرع أو حقهما معاً؟ أيًّا كان الرأي الذي يرجح في هذه المناقشة فإن الدلالة الاقتصادية له أن هناك ثروة وهي الأرض، وأن هناك دخلاً وهو الزرع الناتج من الأرض وأن الزكاة على الدخل وليست على الثروة.

4- نحاول أن نمد المناقشة إلى بيان الحكمة الكامنة وراء منع فرض الزكاة على الثروة التي أصبحت أصلاً رأسمالياً منتجاً. الحكمة في ذلك هي المحافظة على الأصول المنتجة، وبالتالي تحفظ الطاقة الإنتاجية للمجتمع. أيضاً يدخل في هذه الحكمة أن إعفاء الأصول المنتجة من الزكاة يشجع الناس على تحويل ثرواتهم المعطلة إلى أصول رأسمالية منتجة تدفع الزكاة على الدخل المتولد منها وبذلك يستفيد صاحب الثروة ويستفيد المجتمع على وجه العموم وفقراؤه على وجه الخصوص.



ثالثاً: عروض التجارة: الزكاة ثابتة فيها بالقرآن والسنة والإجماع والقياس([13]):

1- تعرف عروض التجارة بأنها: ما يعد للبيع والشراء بقصد الربح(4). نحاول أن نعطى أمثلة من الحياة الاقتصادية في عصرنا على ما يدخل في عروض التجارة: السلع الغذائية كلها التي يتاجر فيها تدخل في عروض التجارة، شخص يتاجر في العقارات هذه عروض تجارة، شخص يتاجر في السيارات هذه عروض تجارة، شخص يتاجر في الأسهم هذه عروض تجارة، شخص يتاجر في الحيوانات هذه عروض تجارة.

2- المناقشات الفقهية حول زكاة هذا النوع من الأموال تبين أن التاجر يكون عنده نوعان من الأصول ([14])، النوع الأول الأصول الثابتة وهي التي تكون لازمة لقيام النشاط التجاري ولكن لا يتاجر فيها مثل المباني والآلات والتجهيزات. نعطى أمثلة لتوضيح هذا النوع من الأصول: شركة قامت للاتجار في السلع الغذائية يلزمها مبنى وتجهيزات مثل أرفف وغيرها، ثلاجة لحفظ ما يلزم حفظه، سيارة صغيرة لنقل البضائع. هذه أمثلة لما يدخل في الأصول الثابتة. هذا النوع لا تدفع عنه زكاة لأن الزكاة فيما كان بنية التجارة لا القنية. نرى أن نجرى تحليلاً اقتصادياً عن طبيعة هذا الأصل وكيفية مساهمته في النشاط، هذه الأصول الثابتة لا شك أنها تساهم في توليد الدخل الذي تحصل عليه هذه الشركة، وهي ثروة بالمعنى العام وإن كان يقال عنها بالتعبير الاقتصادي الاصطلاحي رأس مال ثابت. بناء على هذا التحليل الاقتصادي نستنتج أن هذه الأصول هي ثروة عاملة، ثروة منتجة، ثروة تعود بالفائدة على صاحبها وعلى المجتمع، ولذلك فإنه لا تفرض الزكاة عليها في عينها وإنما تفرض الزكاة على الدخل الذي ينتج من تشغيلها.

من المفيد أن نذكر أن هذه الأصول تتناقص قيمتها سنوياً بسبب استخدامها وهذا ما يقال عنه الإهلاك، وسوف تكون قيمة الإهلاك جزءاً من التكلفة التي يتحملها المشروع والتي تخصم من الدخل.

3- النوع الثاني الأصول المتداولة، وهي في الشركة التجارية تكون ممثلة في السلع التي يتاجر فيها، قبل أن نقدم تحليلاً اقتصادياً لهذا النوع من الأصول نرى أن نشير إلى أن مصطلح الأصول المتداولة يقصد به في الاصطلاح الاقتصادي المواد التي تجرى عليها عملية تحويل لتصبح صالحة للاستعمال لإنتاج خدمة.

التحليل الاقتصادي للأصول المتداولة؛ أي للسلع التي يتاجر فيها يكشف عن أنها ليست دخلاً تولد من تشغيل ثروة (رأسمال ثابت) وليست ثروة مكتنزة عاطلة لا تنتج، كما أنها ليست ثروة من قبيل رأسمال ثابت تنتج سلعة أخرى؛ إنها ليست ثروة مثل الأرض مطلوب المحافظة عليها لتظل تنتج سلعاً أخرى، كما أنها ليست مثل الأصول الرأسمالية الثابتة التي تتيح تسهيلات أو خدمات لازمة للنشاط، الدخل الذي يتولد عن هذا النوع من الأصول يحدث عندما تباع؛ أي عندما تنتقل ملكيتها إلى شخص آخر.

هذا كله يكشف عن عناصر مميزة لهذه الأصول المتداولة؛ أهم ما نرى التأكيد عليه بشأن هذه الأصول هو أنها ثروة، ولكنها ليست مكتنزة وهي ليس رأسمال ثابت أو أصولاً ثابتة.

المعاملة الزكوية لهذه الأصول من حيث فرض الزكاة عليها بمعدل 2.5% يشير إلى أنها اعتبرت مشابهة للثروة السائلة: النقود والذهب والفضة. نستطيع القول بأن تكييف الأصول المتداولة في زكاة عروض التجارة على هذا النحو يجعلنا أمام وجه من وجوه الإعجاز التشريعي في الزكاة، إن الأصول المتداولة تولد دخلاً عندما تنتقل من يد إلى يد أي أنها تظل ثروة سائلة، ولم تتحول إلى رأسمال ثابت ينتج سلعة أو خدمة.

قد يرد اعتراض مؤداه أن النشاط التجاري يلزم له كما قلنا مشاركة الأصول الثابتة، أي رأسمال ثابت، وسبق أن قلنا إن الإهلاك في رأس المال الثابت يكون أحد عناصر التكلفة التي تخصم من الأرباح، نضيف إلى ذلك القول الآتي: الدخل الذي يتولد عن هذه الأصول هو ما يساوى الإهلاك أي النقص الذي حدث في هذه الأصول. أي أن هذه الأصول لا ينتج منها دخل صافي بحيث يزكي، ولو حدث ذلك فإنه كان سيزكى بنسبة 10%، أو 5% وهي زكاة الدخل المتولد عن أصل رأسمالي. يضاف أيضاً أن هذه الأصول لا تدخل في وعاء زكاة عروض التجارة، وهذا يعنى أنه احتفظ بأحد المبادئ المالية في تشريع الزكاة وهو عدم فرض الزكاة على الأصل الرأسمالي الذي ينتج وذلك للمحافظة على القدرة الإنتاجية للاقتصاد.

4- النتيجة التي نصل إليها من خلال التحليل الاقتصادي لهذا النوع الثالث من الأموال التي تفرض عليها الزكاة هي أن الأصل الرأسمالي الثابت المنتج لا تفرض عليه زكاة، وأن الثروة تفرض عليها الزكاة بمعدل 2.5%. يمكن أن نعيد صياغة هذه النتيجة على النحو الآتي: الثروة التي تحولت إلى أصل رأسمالي ثابت منتج لا تفرض عليها الزكاة وإنما تكون الزكاة على الدخل المتولد منه، أما الثروة التي لم تتحول إلى ذلك فإنه تفرض عليها الزكاة في عينها بنسبة 2.5%.



رابعاً: الثروات الحيوانية:

1- يمكن أن نجمع عناصر في فقه زكاة الثروة الحيوانية في الآتي([15]):

( أ ) الأغنام والماعز إذا بلغ عددها أربعين يكون مقدار الزكاة واحدة منها. وإذا حولنا هذا إلى معدل مئوي يكون 2.5%.

(ب) نصاب الإبل يبدأ من خمس وتكون فيها شاة، وهذه في قيمتها أقل من جمل واحد.. تتدرج الأنصبة حتى إذا كان عدد الإبل من 25-35 فإنه يكون فيها بنت مخاض، وهي أنثي الإبل التي أتمت سنة واحدة. فإذا كان عدد الإبل من 36-45 يكون فيها بنت لبون، وهي أنثي الإبل التي أتمت سنتين ودخلت في الثالثة، سميت بذلك لأن أمها وضعت غيرها وصارت ذات لبن. نستطيع القول إن بنت اللبون أصبحت جملاً. عندما نحول ذلك إلى معدل مئوي فإننا نجده حوالي 2.5% ثم يتطور المعدل بعد ذلك.

(ج) القول المشهور في زكاة البقر أن نصابها يبدأ بثلاثين وفيها تبيع وهو ما له سنة، فإذا بلغ العدد أربعين ففيها المسنة، وهي ما له سنتان. من ملاحظة الثروة الحيوانية يمكن القول إن المسنة أصبحت بقرة ولهذا فإنه يستنتج أن المعدل الذي تفرض به الزكاة على البقر يبدأ بنسبة 2.5% ثم يتطور بعد ذلك.

(د) جمع النتائج التي جاءت في ( أ ) و(ب) و(ج) يعطى النتيجة التالية: المعدل الذي فرضت به الزكاة على الإبل والبقر والغنم هو حوالي 2.5%. هذه النتيجة يمكن تعميمها على النحو الآتي: المعدل الذي تفرض به الزكاة على الثروة الحيوانية هو 2.5%.

2- نحاول عمل تحليل اقتصادي للثروة الحيوانية التي تفرض عليها الزكاة:

( أ ) الحيوانات العاملة: يتأسس فقه الزكاة على أن الحيوانات العاملة لا تفرض عليها الزكاة([16]). التحليل الاقتصادي لها هو أنها تحولت من ثروة إلى أصل رأسمالي منتج. هذا يعنى استمرار القاعدة التي سبق استنتاجها وهي: الثروة التي تتحول إلى أصل رأسمالي منتج لا تفرض عليها الزكاة. بالعودة إلى زكاة الزروع والثمار نعرف أن الثروة التي أصبحت أصلاً رأسمالياً منتجاً تفرض الزكاة على الدخل منها. والسؤال هو: الثروة الحيوانية العاملة التي أصبحت أصلاً رأسمالياً منتجاً ما هو الدخل الذي ينتج منها. الدخل الناتج منها سوف يكون مدمجاً مع دخل أصل رأسمالي آخر. المثال الآتي يوضح ذلك: الثروة الحيوانية العاملة في القطاع الزراعي سوف تكون لها مساهمة في الدخل الناتج في هذا القطاع، ومن المعروف أن الدخل في هذا القطاع يخضع للزكاة بمعدل 5 أو 10% . وهذا سوف يطبق على كل الدخل الذي هو في الحقيقة متولد عن الأرض وعن مساهمة العناصر الأخرى التي شاركت في هذا النشاط مثل عمل الإنسان وعمل الحيوان وعمل الآلة.

(ب) الحيوانات السائمة (التي ترعى في كلأ مباح): بناء على فقه الزكاة عن هذا النوع من الحيوانات فإنه تفرض الزكاة على عينها. التحليل الاقتصادي يبين أن هذه ثروة لم تتحول إلى أصل رأسمالي منتج وبذلك فرضت الزكاة على عينها.

3- النتائج التي وصلنا إليه بشأن الزكاة على الحيوانات تجمع في الآتي:

الحيوانات العاملة أي التي تعتبر كأصل رأسمالي منتج لا زكاة في عينها أما الحيوانات السائمة غير العاملة فإنها تكيف على أنها ثروة لم تتحول إلى أصل رأسمالي منتج ولذلك تفرض الزكاة على عينها. هذا هو الشق الأول في النتيجة، الشق الثاني في النتيجة هو أن الزكاة على الثروة الحيوانية يبدأ بمعدل 2.5% تقريباً. وإن كنا نقول إن هذا المعدل يحتاج على مناقشة تفصيلية في بحث مستقل لمعرفة بدايته وتطوره، وما إذا كان متفقاً مع معدلات فرض الزكاة في الأموال الأخرى أو مختلفاً عنها ، وإذا كان مختلفاً فلماذا؟



خامساً: الثروة المعدنية:

1- زكاة المعادن أخذت مساحة واسعة في المناقشات الفقهية ولذلك أسبابه. منها المناقشة التي دارت عن مصطلح الركاز وهل يشمل المعادن أو يقتصر على الكنز الذي هو دفين الأمم السابقة. ومنها ما يتعلق بمصرف هذا النوع من الزكاة: هل يصرف في مصارف الزكاة الثمانية المعروفة أو يصرف مصرف الفيء أي في المصالح العامة للمسلمين. هذه الأسباب وغيرها عكست نفسها في نصاب زكاة المعادن وفي المعدل الذي تفرض به وفي الحول وفي المصارف التي تصرف فيها.

2- المناقشة عن زكاة المعادن يجب أن تأخذ في الاعتبار الفقه الواسع عن ملكية المعادن وهل تكون ملكية خاصة أو ملكية عامة. الرأي الذي يترجح من المناقشات الفقهية أن المعادن لا تدخل في الملكية الخاصة وإنما تكون ملكيتها عامة، وعامة تعنى أنها لمصالح جميع المسلمين.

3- زكاة المعادن تبحث عدداً من الأسئلة حول النصاب والمعدل والحول. بشأن المعدل فإن الآراء([17]) تدور حول 20% أو 2.5%. القائلون بأن المعدل 20% لهم أدلتهم وكذلك القائلون بأن المعدل 2.5% لهم أدلتهم.

4- نحاول التعرف على ماذا إذا كانت زكاة المعادن هي زكاة على ثروة أو على دخل. الدخل هو ما يحصل عليه الشخص نتيجة تقديمه عمل أو رأسمال أو أرض، وعادة ما يكون دورياً. التحليل الاقتصادي الذي يعتمد هذا التعريف للدخل يجعل المعادن لا تدخل فيه. بعبارة أخرى إنه لا يمكن إدخال المعادن في هذا التعريف للدخل. في مقابل مصطلح الدخل فإن هناك مصطلح الثروة، تعرف الثروة بأنها: كل ما يمتلكه الشخص وتكون له قيمة تبادلية. المعدن الموجود في باطن الأرض يخضع للملكية، إن الذي استخرجه امتلكه بمقابل دفعه، وعمليات استخراجه لا تغير من طبيعته أنه ثروة محازة، كما أن لهذا المعدن قيمة تبادلية. على هذا الأساس فإن التحليل الاقتصادي يبرر قبول أن تكون المعادن داخلة في تعريف الثروة؛ أي أنها ثروة.

5- عندما يقبل إدخال المعادن في الثروة بناء على التحليل الاقتصادي فإنه يترجح أن الزكاة عليها تكون بنسبة 2.5% وذلك لتكون في تلاؤم مع أنواع الثروات الأخرى التي دخلت في وعاء الزكاة وفرضت عليها بمعدل 2.5%. كما يقبل أن يكون نصابها نصاب النقود والذهب والفضة (ما قيمته 85 جرام من الذهب الخالص). فيما يتعلق بالحول فإننا نقدم التحليل الاقتصادي التالي في محاولة لاستنتاج رأي حول هذا الموضوع. المعدن كان محازاً في يد الذي استخرجه (مالك البئر أو المنجم أو الأرض) واستخراجه هو تمكين للانتفاع به وليس إنتاجاً له. بناء على ذلك فإن زكاة المعدن تكون عند استخراجه، أي أنه لا يشترط مرور حول عليه بعد استخراجه. إن شرط مرور حول بعد استخراج المعدن يعنى مضاعفة للحولية لمن تجب عليه الزكاة، وهذا يكون بمثابة ميزة له على أنواع الزكوات الأخرى وهذه الميزة ليس لها مبرر أو تفسير من أي نوع. وهذه العملية تتضمن ضياع حقوق الفقراء لمدة عام، وهذا أيضاً لا يمكن الدفاع عنه.

6- ما سبق عن فقه زكاة المعادن يدور حول الآتي: المعدل 20% أو 2.5%، يشترط مرور حول أو لا يشترط، يشترط فيه النصاب أو لا يشترط. التحليل الاقتصادي الذي سبق تقديمه عن أن المعادن ثروة ولأجل أن يشبع شرط التلاؤم مع أنواع الزكوات الأخرى التي يكون وعاؤها الثروة فإنه متاح لنا الآن أن نقوم بالترجيحات التالية: يشترط النصاب لوجوب الزكاة في المعدن وهو 85 جرام من الذهب الخالص، وأن المعدل الذي تفرض به الزكاة هو 2.5%. وباعتبار أنها كانت ثروة محازة تحت الأرض قبل استخراجها فإن حولها يكون عند استخراجها أي لا يشترط مرور حول جديد بعد نقلها إلى ظاهر الأرض أي استخراجها
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
مدير المنتدى
Admin
avatar

عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: الإعجاز التشريعي في الزكاة   الجمعة 11 يناير - 1:35

سادساً: جدول عرض النتائج:

في هذا البحث قدمنا تحليلاً اقتصادياً للأموال التي فرضت عليها الزكاة في عصر النبوة ونجمع النتائج التي وصلنا إليها في الجدول التالي:





جدول التحليل الاقتصادي لوعاء الزكاة في عصر النبوة

نوع المال


التصنيف الاقتصادي


الحكم الزكوي


المعدل

1- الذهب والفضة


ثروة لم تتحول إلى أصل رأسمالي منتج


تفرض الزكاة على عين الثروة


2.5%

2-الزروع والثمار


دخل من ثروة تحولت إلى أصل رأسمالي منتج (الأرض)


تفرض الزكاة على الناتج


5 أو 10%

3-عروض التجارة


الأصول الثابتة ثروة تحولت إلى أصل رأسمالي منتج


لا تفرض الزكاة على عين الثروة التي تحولت إلى أصل رأسمالي منتج


-

الأصول المتداولة: ثروة لم تتحول إلى أصل رأسمالي منتج، سلع يتم تداولها


تفرض الزكاة على عين الثروة


2.5%

4-الحيوانات


الحيوانات العاملة: ثروة تحولت إلى أصل رأسمالي منتج


لا تفرض الزكاة على عين الثروة


-

الحيوانات السائمة: ثروة لم تتحول إلى أصل رأسمالي منتج


تفرض الزكاة على عين الثروة


2.5%

5- المعادن


ثروة لم تتحول إلى أصل رأسمالي منتج (صناعة استخراجية: انتقال الثروة من باطن الأرض إلى ظهرها)


تفرض الزكاة على عين الثروة


2.5%
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
مدير المنتدى
Admin
avatar

عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: الإعجاز التشريعي في الزكاة   الجمعة 11 يناير - 1:36

المبحث الثاني

التحليل المالي والاقتصادي لوعاء الزكاة

(رؤية إعجازية كلية)

تضمن المبحث الأول عرضاً لعناصر في فقه الزكاة، وقد جاء في سياق ذلك شيء من التحليل الاقتصادي. يخصص هذا المبحث الثاني لتقديم رؤية كلية عن التحليل المالي والاقتصادي لوعاء الزكاة. وهذا التحليل مع غيره سوف يحاول البحث أن يؤسس عليه أو يكتشف منه أوجه الإعجاز في وعاء الزكاة، وهي التي سوف يخصص لها المبحث الثالث.

سوف يحاول البحث وهو يقدم التحليل المالي والاقتصادي لوعاء الزكاة أن يتعرف على الطبيعة المالية الاقتصادية للزكاة بما تتضمنه من رؤية إعجازية كلية. وهذه الرؤية الإعجازية الكلية سوف توظف في المبحث الثالث لاكتشاف أوجه الإعجاز في وعاء الزكاة على نحو تفصيلي.

أولاً: يكشف التحليل المالي الاقتصادي أن وعاء الزكاة هو الدخل أو الثروة. النظم الضريبية لم تقصر الضريبة على الدخل أو الثروة إلا حديثاً؛ أي بعد مجيء الإسلام يقرون كثيرة. ليس للعنصر الشخصي دور في الزكاة. بعبارة أخرى إن الزكاة لا تفرض على الشخص وإنما تفرض على الدخل أو الثروة. جعل الالتزام المالي ليس واقعاً على الشخص يجعل الزكاة قدوة للنظم الضريبية. نقول في هذا الصدد لو أن المسلمين عملوا على كشف هذا العنصر وإظهاره فإنهم كانوا بذلك سيغيرون تاريخ الإنسان مع النظم الضريبية التي قهرته بأساليب متعددة ومنها أنها فرضت الضريبة على شخصه. لو أن المسلمين أذاعوا أن الزكاة لا تكون إلا على الدخل أو الثروة لاختصروا رحلة الإنسان في معاناة تطوير النظم الضريبية. نضيف: لو أن المسلمين قدموا للعالم التنظير الاقتصادي للزكاة وأنها لا تكون إلا على الدخل أو الثروة لأصبحوا بذلك هم صانعو التطور في النظم الضريبية، ولو حدث ذلك لكان العالم الإسلامي هو مصدر تطور العلوم الضريبية التي تأخذ العوالم الأخرى منه، ولكان فد تغير الحال القائم الآن من أن المسلمين يأخذون التقدم في العلوم من غيرهم.

ثانياً: يكشف التحليل الاقتصادي أن الزكاة إذا كانت على الثروة فإنها تفرض بمعدل 2.5% أما إذا كانت على الدخل فإنها تفرض بمعدل 5 أو 10%. هذا الأمر اضطراد في جميع الزكوات: ذهب وفضة، عروض تجارة، زروع وثمار، معادن. هذا الاضطراد يجعل الزكاة متناسقة متلائمة بين عناصرها انسجام. لا يعرف التاريخ المالي نظاماً ضريبياً من صنع الإنسان يشبع الاضطراد والانسجام والاتساق والتلاؤم على هذا النحو.

هذا العنصر في الزكاة يتأكد ويتقوى إذا أضفنا أن الزكاة تشمل أنواعاً متعددة من الدخول والثروات وبعضها ليس من السهل التعرف على طبيعته من حيث هو ثروة أو دخل. الذهب والفضة واضح فيهما أنهما ثروة، لكن المعادن فيها خفاء، وعروض التجارة فيها خفاء. مع هذا الخفاء الذي لا يكشفه إلا معرفة اقتصادية متعمقة فإن الأمر في الزكاة اضطراد بانضباط حيث فرضت الزكاة على ما هو ثروة بمعدل 2.5% وعلى ما هو دخل بمعدل 5 أو 10% (على الإجمالي أو الصافي).

هذا العنصر في الزكاة يتأكد ويتقوى عندما نأخذ في الاعتبار الزكاة على الحيوانات. اعتبار الحيوانات السائمة ثروة لم تتحول إلى أصل رأسمالي بحيث تتميز عن الحيوانات العاملة التي اعتبرت أنها بمثابة أصل رأسمالي منتج – هذا الأمر لا يكشفه إلا معرفة اقتصادية متعمقة.

هذا العنصر في الزكاة يتأكد عندما نأخذ في الاعتبار زكاة عروض التجارة. التمييز بين الأصول الثابتة والأصول المتداولة وتكييف الأصول المتداولة على أنها ثروة لم تتحول إلى رأسمال منتج – هذا الأمر لا يكشفه إلا تحليل اقتصادي متعمق.

ثالثاً: يكشف التحليل الاقتصادي عن أن الثروة التي تحولت إلى أصل رأسمالي منتج لا تفرض عليها الزكاة في عينها وإنما تفرض الزكاة على الناتج منها؛ أي على الدخل. الأمر على هذا النحو يعنى أن تشريع الزكاة يحفظ الأصول الرأسمالية التي يقوم عليها الإنتاج في المجتمع. حفظ الأصول الرأسمالية التي يقوم عليها الإنتاج يحفظ للمجتمع فعاليته وكفاءته الاقتصادية، وهذا بدوره يؤمن الاستقرار الاقتصادي للمجتمع، ويؤمن له التقدم الاقتصادي المضطرد. حفظ الأصول الرأسمالية التي يقوم عليها الإنتاج في المجتمع يحفظ للمجتمع التراكم الرأسمالي الذي تكون في المراحل السابقة. حفظ الأصول الرأسمالية التي تراكمت يعتبر أكبر حافز على عمل إدخارات جديدة التي تتحول بدورها إلى تراكم رأسمالي جديد.

نشير في هذا الصدد إلى أن حجم أو كمية التراكم الرأسمالي للمراحل السابقة، ومعدل التراكم الرأسمالي – الأمران معا يميزان بين الاقتصادات المتقدمة والاقتصادات النامية. الاقتصادات المتقدمة تتميز بحجم تراكم رأسمالي كبير وبمعدل ادخار عال الذي يتحول بدوره إلى معدل تراكم رأسمالي عال.

هذا التحليل الاقتصادي لدور الزكاة في حفظ الأصول الرأسمالية المنتجة في المجتمع، وبالتالي دور الزكاة في حفظ التراكم الرأسمالي، وعلاقة التراكم الرأسمالي بالتقدم الاقتصادي يتأسس على تشريع جاء منذ خمسة عشر قرناً قبل أن يتكلم الاقتصاديون عن أثر الضرائب على الادخارات وبالتالي على التراكم الرأسمالي في المجتمع، وقبل أن يتكلموا عن علاقة الضرائب بالتراكم الرأسمالي.

اكتشاف هذا الوجه الاقتصادي للزكاة يجعلنا نقول إن الاقتصاديين الذين يشغلون بكيفية عمل الادخارات وبالتالي تكوين التراكم الرأسمالي في المجتمع يجدون النموذج الأمثل لهم في الزكاة.

ما كتبناه عن هذا الجانب لا يزيد عن كونه بداية تعريف به، وهو جانب يحتاج لدراسات كثيرة متنوعة. هذا الأمر تظهر آثاره الإيجابية عندما يوجد المجتمع الاقتصادي الذي يطبق الزكاة وتتاح بيانات إحصائية عنه بحيث تجسد الأثر الإيجابي للزكاة على الادخارات وتحويل هذه الادخارات إلى أصول رأسمالية منتجة، وبالتالي إلى تراكم رأسمالي.

هذا الوجه الاقتصادي للزكاة والذي يتعلق بالدور الإيجابي للزكاة على الادخارات وبالتالي على التراكم الرأسمالي يؤدي أو ينتج عنصراً إيجابياً آخر يرتبط بعلاقة الزكاة بالاستهلاك والادخار. من المعروف أن الضرائب التي تتضمن تحويلات من الأغنياء إلى الفقراء تؤدي إلى زيادة الميل للاستهلاك، ولكن الزكاة بناء على التحليل الذي قدمناه تؤدى إلى زيادة الميل للادخار، وهذا يستلزم نقص الميل للاستهلاك. هذا الأمر على هذا النحو بمثل تفوق اقتصادي للزكاة. الزكاة تنقض الرأى الاقتصادي القائل بأن التحويلات من الأغنياء إلى الفقراء تؤدى إلى زيادة الميل للاستهلاك ونقص الميل للادخار.

العنصران السابقان للزكاة ينتجان عنصراً ثالثاً. من المعروف في الدراسات الاقتصادية أن الضرائب التي تتضمن تحويلات من الأغنياء إلى الفقراء قد تضر بالتنمية الاقتصادية، وهذا الأمر يجئ عند إدخال الادخارات في الاعتبار. الزكاة تتضمن تحويلات من الأغنياء إلى الفقراء، ولكنها مفيدة للتنمية الاقتصادية، وهذا الأمر يجئ من أثر الزكاة على الادخارات وبالتالي على التراكم الرأسمالي.

العناصر الثلاثة السابقة للزكاة تنتج عنصراً رابعاً؛ الزكاة تخلق مجتمعاً لمتغيراته الاقتصادية طبيعتها الخاصة. يتبين هذا عندما نحلل المتغيرات الاقتصادية: الاستهلاك، والادخار ولازمه وهو الاستثمار وبالتالي التراكم الرأسمالي. الزكاة باعتبارها تتضمن تحويلات من الأغنياء إلى الفقراء تؤدى إلى زيادة الميل الحدي للاستهلاك. وهذا مسلم به اقتصادياً بسبب أن الزكاة تعمل على تحويل جزء من دخول الأغنياء حيث ميلهم للاستهلاك منخفض إلى الفقراء حيث ميلهم للاستهلاك مرتفع، وبالتالي يزيد الميل الحدي للاستهلاك. التحليل الاقتصادي يرتب على ذلك أن تنخفض الادخارات وبالتالي التراكم الرأسمالي في هذا المجتمع. لكن التحليل الذي قدمناه عن منع فرض الزكاة على الثروة التي تحولت إلى أصل رأسمالي منتج أثبت أن الزكاة تؤدي إلى زيادة تحويل الثروات العاطلة إلى أصول رأسمالية، أي زيادة معدل التراكم الرأسمالي، وهذا لا يجئ إلا من زيادة الاستثمارات التي تؤسس بدورها على زيادة الادخارات.

التحليل على هذا النحو يثبت ما سبق قوله وهو أن الزكاة تبنى مجتمعاً اقتصادياً لمتغيراته الاقتصادية طبيعتها الخاصة.

4- يكشف التحليل الاقتصادي عن أن الثروة التي لم تتحول إلى أصل رأسمالي منتج؛ أي ظلت عاطلة تفرض الزكاة على عين هذه الثروة. النتيجة التي ترتبت على ذلك أن هذه الثروة تتناقص وتتآكل باستمرار فرض الزكاة عليها طالما أنها تبلغ النصاب.

الزكاة ركن من أركان الإسلام، يؤديها المسلم عبادة لله سبحانه وتعالى، هذا لا يمنع أن يتحقق من خلال الزكاة أو يترتب عليها آثار اقتصادية واجتماعية، وهذا يتيح النظر فيها وتحليلها لمعرفة هذه الآثار. بناء على ذلك يقبل القول بأن الزكاة على الثروة التي لم تتحول إلى أصل رأسمالي منتج؛ أي ظلت عاطلة تعمل أو تؤدى أن يعمل مالك هذه الثروة على استثمارها ليتحقق منها عائد، أي دخل وبهذا يحافظ مالك هذه الثروة على أصلها ويدفع الزكاة من الدخل الذي يتحقق من استثمارها.

النتيجة التى تترتب على فرض الزكاة على عين الثروة العاطلة لا تقتصر من حيث آثارها على مالك الثروة وإنما المجتمع تتحقق له فائدة من ذلك، إن اقتصاد هذا المجتمع ينمو ويتقدم ويتطور حيث كل ادخاراته تتحول إلى أصول رأسمالية تعمل في جميع المجالات الاقتصادية.

أثر إجبار الزكاة الثروات على أن تتحول إلى أصول رأسمالية منتجة يمكن أن يكون له أثره على طبيعة سلوك الشخص نفسه. الشخص الذي يتفاعل مع الزكاة تفاعلاً إيجابياً صحيحاً يكتسب عادة أن يكون هو وثروته، أو أن يكون مع ثروته قوة منتجة في المجتمع تعمل على الارتقاء الاقتصادي بالشخص وبمجتمعه.

هذه التربية السلوكية للشخص وهي أن يكون منتجاً نستطيع أن نمد تفاعلاتها على نوع النشاط الاقتصادي من حيث طبيعته الإنتاجية. نحاول بيان ذلك من موضوع الربا. المرابي لا يقوم بنشاط اقتصادي منتج حقيقة. إنه يقرض بالربا ويجلس منتظراً ما يحصل عليه من دخل من هذه العملية، إنه على هذا النحو لا يعمل. ما يقال عن الربا يقال عن القمار والميسر وغيرهما.

أثر إجبار الزكاة الثروات على أن تتحول إلى أصول رأسمالية منتجة يمكن أن يكون له أثره على نوع النشاط من حيث هو حلال أم حرام. الشخص الموجه لاستثمار ماله ليدفع زكاتها لا يتوقع منه أن يعمل في نشاط اقتصادى محرم مثل الاتجار فى الخمور وغيرها مما هو محرم شرعاً.

5- بناء على فقه الزكاة فإن المنزل الذي يستخدمه الشخص لسكناه والسيارة التي يستعملها في تنقلاته والأجهزة التي يستعملها في منزله وما يشبه ذلك... كل هذا لا تفرض عليه الزكاة. فقه الزكاة على هذا النحو يحفظ للشخص هذه الثروات التي تستخدم لتوفير الخدمات الضرورية اللازمة لحياته.

الزكاة بهذا الفهم وبهذا التحليل الاقتصادي تحفظ للشخص فعاليته الطبيعية والتي يكون لها توظيفاتها المتعددة ومنها التوظيف في المجال الاقتصادي. إعفاء هذه الثروات من الزكاة ضمانة للإنسان لما يحفظ عليه حياته.

ونحن نقدم الزكاة بهذا الفهم وبهذا التحليل نشير إلى أن المسلمين في أيديهم أن يرقوا بالإنسانية إذا قدموا للعالم الزكاة بفهم شمولى كامل لقيمها. بحيث يوظف الإنسان قيم الزكاة ويدخل في ذلك ما يتعلق بالضرائب وما يلزم لضروريات الحياة.

تفوق الزكاة بإعفائها الثروات التي توفر للإنسان ضرورياته ليس أمراً تاريخياً فحسب وإنما هو أيضاً تفوق معاصر، وسوف يظل تفوقاً في المستقبل لأنه تشريع من الله عزل وجل.

6- حلى النساء من الذهب والفضة تعفى من الزكاة. بصدد هذا الموضوع نشير إلى أن الفقهاء يتكلمون عن حلى المثل. نحاول أن نتعرف على السلوك القيمى الذى نرتبه على هذا الموضوع. الزكاة ركن من أركان الإسلام وتشريع يستهدف مواجهة حالة احتياج تصيب مسلماً. تشريع الزكاة وهو بهذا الفهم لم يفرض على حلى النساء بشروط الفقه المعروفة. والإسلام لم يستخدم تشريعاً يواجه حالة احتياج للتضييق على الناس بمنع النساء من التحلى بما اعتادوا عليه من حلى ذهب وفضة.

المسلمون مع تشريع الزكاة في مأمن من الالتزامات المالية من قبل الدولة والتي كثيراً ما كانت غير صحيحة، والتي كثيراً ما عكست أغراضاً شخصية.

ونحن نتكلم عن الزكاة من هذا الجانب المتعلق بحلى النساء فإننا نستطيع أن ندخل في المناقشة قيمة من قيم الإسلام المعروفة وهي قيمة التيسير على الناس ومنع المشقة عليهم، حتى ولو كانت هذه المشقة متعلقة بمنع ما تعود عليه الناس من تحلى النساء بالذهب والفضة. إن إعفاء حلى النساء من الذهب والفضة من الزكاة راعى الطبيعة البشرية حتى في هذا الجانب الترفيهى.

7- الحديث عن إعفاء حلى النساء من الذهب والفضة يجعلنا نمد المناقشة إلى حلى الرجال. حلى الرجال لا تعفى من الزكاة. وجبت الزكاة في حلى الرجال لأن التحلى بذلك ليس من الفطرة بل هو مناقض للفطرة. ينطبق هذا أيضاً على الأوانى من الذهب والفضة أو اتخاذهما تحفاً. نستطيع أن نقول إن الزكاة وظفت لإصلاح الفطرة، وظفت لإجبار الرجل على العودة إلى الفطرة. وظفت لجعل السلوك الإنساني متلائماً مع الفطرة الصحيحة. هذا الأمر نحب أن نؤكد عليه وأن نبرزه، وذلك لأنه لم يظهر في الدراسات السابقة عن الزكاة فقهاً أو اقتصاداً. إننا بإبراز هذا الجانب في الزكاة نثبت أن للزكاة تأثيراً إيجابياً على الجانب السلوكي للملتزم بالزكاة. وبالكشف عن هذا التأثير للزكاة فإننا نثبت اتساع الآثار المترتبة على الزكاة، آثار اقتصادية، وآثار اجتماعية، وآثار سلوكية، بل ويمكن أن نمد ذلك إلى آثار سياسية. إن اكتشاف هذا الأثر للزكاة على تقويم السلوك يوسع من العناصر الاقتصادية الإيجابية في الزكاة.



كلمة خاتمة

كشفت المناقشة في هذا المبحث عن الآثار الإيجابية الكلية للزكاة، من حيث آثارها على الادخار وعلى الاستثمار وعلى الاستهلاك. وكذلك آثارها على السلوك الاستثمارى من حيث استهداف النشاط الحلال، كما كشف المبحث أيضاً عن تنمية الزكاة للفطرة السليمة.

النتائج الإيجابية للزكاة التي ثبتت في هذا المبحث هي التي سوف يحاول البحث أن يوظفها لاكتشاف أوجه الإعجاز في الزكاة وذاك في المبحث التالي وهو المبحث الثالث.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
مدير المنتدى
Admin
avatar

عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: الإعجاز التشريعي في الزكاة   الجمعة 11 يناير - 1:36

المبحث الثالث

أوجه الإعجاز في تشريع الزكاة

(وعاء الزكاة)



تضمن المبحث الأول تعريفاً ببعض عناصر في فقه الزكاة، وجاء فيه تحليل اقتصادي للأموال التى فرضت عليها الزكاة في عصر النبوة. وهذا التحليل الاقتصادي لوعاء الزكاة كان تمهيداً ملائماً لموضوع المبحث الثاني وهو تقديم رؤية كلية للتحليل الاقتصادي والمالي لوعاء الزكاة. وقد بينت هذه الرؤية الكلية الإيجابيات الاقتصادية والمالية لتشريع الزكاة.

الرؤية الكلية للتحليل الاقتصادي والمالي للزكاة والتي جاءت في المبحث الثاني تحدد على نحو إجمالى الإعجاز التشريعي في وعاء الزكاة. وقد تلاءم مع هذا أن يجئ هذا المبحث الثالث وموضوعه التحديد المفصل لأوجه الإعجاز في تشريع الزكاة من حيث وعائها.



وجه الإعجاز الأول: درجة الإلزام في تشريع الزكاة: ركن من أركان الإسلام

الزكاة ركن من أركان الإسلام، وهذا جعلها في وعاء واحد مع الصلاة والصوم والحج التي هي بقية أركان الإسلام. ولا شك أن جعل الزكاة ركناً، وكذلك ربطها على النحو السابق يحدد درجة أهميتها وأنها على مستوى ما تربط به. يدخل أيضاً في تحديد درجة الأهمية أن القرآن الكريم يربط بين الزكاة والصلاة. ويدخل أيضاً درجة الإلزام الواقعة على الدولة في الزكاة إلى حد أنها تحارب مانعيها.

تحديد الهدف من الزكاة يعطى معنى لدرجة الإلزام وبالتالي درجة الأهمية. الهدف من الزكاة هو تحقيق التكافل المادي بين المسلمين. وهو تكافل يعمل على مساحة واسعة تحددها مصارف الزكاة بحيث يمكن القول إن هذا التكافل يشمل كل أنواع الاحتياج.

يمكن القول إنه لا يوجد مجتمع آخر في العالم قديمه وحديثه قبل الإسلام أو بعده عرف نظاماً تجعل التكافل المادي بين أبنائه على هذه الدرجة من الإلزام التي يجعلها الإسلام.

بناء على ذلك يستنتج المعيار التالي للإعجاز في الزكاة وهو:

المعيار الأول: الزكاة معجزة من حيث درجة الإلزام والأهمية بما يجعلها أكفأ تشريع للتكافل الاجتماعي

أو المعيار الأول: جعل التكافل الاجتماعي ركناً من أركان الدين.



وجه الإعجاز الثاني: الزكاة معجزة من حيث أنها تجعل التكافل الاجتماعي عبادة مالية

الزكاة عبادة مالية. نحاول أن نتعرف على ما إذا كان ذلك يتضمن وجه إعجاز. وكون الزكاة عبادة مالية فإن هذا له ارتباطه بأن الزكاة ركن من أركان الإسلام.

الزكاة عبادة مالية تعنى الآتي:

1- النية شرط من شروط الزكاة. هذه النية تقيم صلة بين مؤدى الزكاة والله عز وجل. إن المزكى يؤدى الزكاة بنية أن يعبد الله تعظيماً له وامتثالاً لأوامره. إنه يؤدى الزكاة بنية أنه يشكر الله عز وجل على نعمه التي أنعم بها عليه. إنه يؤدى الزكاة بنية أن يعبد الله بمساعدة عباد الله الذين أمر الله بإعانتهم، إنه يؤدى الزكاة بنية أن يطهر ويزكى المال الذي أنعم الله به عليه. النية في الزكاة واستصحابها في جميع أعمال الزكاة تجعل مؤدى الزكاة مع الله، والمعية الإلهية هي أرقى ما يتمنى الإنسان الحصول عليه، المعية الإلهية هي الحافظة للإنسان ولما له ولمجتمعه.

2- يؤدى المسلم الزكاة بنية أنه يعبد بها الله عز وجل. النية شرط من شروط الزكاة. علينا أن نستحضر عن الزكاة أنها تحويلات مالية من الأغنياء إلى فئات تحتاج إلى المساعدة. فرض الإسلام النية عند القيام بهذه التحويلات يستلزم أن يكون مؤدى الزكاة على وعى عميق واقتناع كامل بما يفعله وهو أنه يقوم بتحويل جزء من ثروته إلى محتاجين للمساعدة. إن النية تجعل الإنسان يستحضر كل الحدث بأهدافه وبوسائله وبنتائجه. النية تقيم علاقة غير مرئية بين مؤدى الزكاة والمحتاجين إليها والمستفيدين منها. النية تجعل مؤدى الزكاة يستحضر أشكال المحتاجين وصورهم في بؤسهم وفي همومهم وفي ضعفهم، وتجعله يستحضر هؤلاء المحتاجين وهم في محيطهم الاجتماعي من حيث الذين تجب لهم نفقتهم وإعالتهم، ومن حيث مسئولية المستفيدين من الزكاة عن أبناء وبنات صغار وضعاف وعن غيرهم يسألون الله لهم أن يمكنوا من أول حق من حقوق الإنسان وهو حق الحياة. النية تجعل مؤدى الزكاة والمستفيد منها ينصهران ويمتزجان معا من حيث المسئولية والحياة المشتركة.

3- الزكاة عبادة مالية تلزم لها نية. المسلم يعبد الله بالزكاة كما يعبده بالصلاة. وكما يعبده بالصوم وكما يعبده بالحج. كون الزكاة عبادة فإن هذا يمزجها بكل العبادات في الإسلام. إن التعامل مع الزكاة بهذا الفهم يحقق وحدة العبادات في الإسلام.

هذه المعانى التى ترتبط بكون الزكاة عبادة مالية تمكن من استنباط أن من أوجه الإعجاز في الزكاة أنها عبادة مالية وهذا الوجه الإعجازي يتأسس عليه المعيار الإعجازي التالي:

المعيار الثاني: جعل التكافل الاجتماعي من العبادات التي أمر الله بها.



وجه الإعجاز الثالث: طبيعة التشريع في وعاء الزكاة

الزكاة لها جانبان، الجانب الأول الأموال التي تفرض عليها الزكاة وهو ما نعبر عنه بوعاء الزكاة، أما الجانب الثاني فهو مصارف الزكاة. تبين أن طبيعة التشريع في الوعاء جاءت على نحو إجمالي، بينما في المصارف جاءت على نحو مفصل. نحاول أن نحلل الأمر فيما يتعلق بوعاء الزكاة لنكتشف وجه الإعجاز في مجئ التشريع على هذا النحو الإجمالي.

طبيعة الحياة الاقتصادية أنها متطورة. وهذا التطور يجئ في الأنشطة الاقتصادية وفي أنواع الثروات وفي أشكال الدخول. ليتضح هذا الأمر نقترح مقارنة الحياة الاقتصادية بعناصرها الثلاث في الخمسين عاماً الماضية. تكشف هذه المقارنة عن تغييرات جوهرية عميقة جرت في حياتنا الاقتصادية.

إذ كانت المقارنة خلال الخمسين عاماً الماضية تكشف عن حجم التطور وبالتالي التغير فإن المقارنة بين ما كان عليه الواقع الاقتصادي في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم (عصر التشريع) وما عليه الواقع الاقتصادي في عصرنا – هذه المقارنة تكشف عن درجة أعمق في تطور الاقتصاد وتغيره.

بناء على هذا الفهم للواقع الاقتصادي فإنه لو حددت بالتفصيل الأموال التي تجب فيها الزكاة (وعاء الزكاة) فإنها كانت ستحدد حسب الأموال الموجودة في عصر النبوة، بينما هذه الأموال لا تمثل إلا نسبة محدودة جداً في الحياة الاقتصادية المعاصرة من حيث الأنشطة والثروات والدخول. ولكن تشريع الزكاة من حيث الوعاء جاء على نحو إجمالي بحيث أن هذا الإجمال يسع مفردات أو وحدات جديدة. ومن المعروف أن الأموال التي تجب فيها هي التي يتحقق فيها الشروط الآتي: أنها أموال نامية، فحيثما تحقق هذا الشرط وجبت الزكاة بشروطها.

مجئ تشريع الزكاة من حيث الوعاء على هذا النحو الذي يستوعب التطور في الحياة الاقتصادية وبالتالي فإن هذا التشريع لا يحتاج إلى تعديل – الأمر على هذا النحو وجه من وجوه الإعجاز التشريعي في الزكاة.

بناء على هذا الوجه الإعجازي يستنتج معيار من معايير إعجاز الزكاة وهو:

المعيار الثالث: استيعاب التطور والتغير في الحياة الاقتصادية من حيث الدخول والثروات والأنشطة الاقتصادية.



وجه الإعجاز الرابع: المعيارية في وعاء الزكاة في عصر النبوة.

الأموال التي فرضت عليها الزكاة في عصر النبوة خمسة هي: الذهب والفضة، والزروع والثمار، وعروض التجارة، والثروة الحيوانية، والمعادن.

التحليل الاقتصادي لهذه الأموال الخمسة يكشف عن أنها تصنف في مجموعتين:

- ثروة سائلة.

- دخل من ثروة تحولت إلى أصل رأسمالي منتج.

هذا التصنيف يسع الأموال الخمسة وذلك وفق التحليل التالي:

- زكاة الذهب والفضة هي ثروة سائلة.

- زكاة الزروع والثمار هي دخل من ثروة تحولت إلى أصل رأسمالي منتج (الأرض).

- زكاة عروض التجارة على الأصول المتداولة وليست على الأصول الثابتة والأصول المتداولة ثروة سائلة.

- زكاة الثروة الحيوانية على السائمة وليست على العاملة والسائمة ثروة سائلة.

- زكاة المعادن ثروة سائلة تحولت من باطن الأرض إلى ظاهرها.

يثبت التحليل الاقتصادي أن التصنيف الاقتصادي لوعاء الزكاة في عصر النبوة يستوعب كل ما يستجد من ثروات ودخول. ويتضح ذلك من الأمثلة الآتية:

- المصانع ثروة تحولت إلى أصل رأسمالي منتج.

- العقارات التي تؤجر ثروة تحولت إلى أصل رأسمالي منتج.

- شركات المواصلات والاتصالات ثروة تحولت إلى أصل رأسمالي منتج.

- الأسهم والودائع التي تعطى أرباحاً ثروة تحولت إلى أصل رأسمالي منتج.



إثبات أن كل ما يستجد من دخول وثروات يمكن تصنيفه حسب تصنيف أموال الزكاة في عصر النبوة فإن ذلك يعنى أنه يمكن قياس كل ما يستجد من دخول وثروات على وعاء الزكاة في عصر النبوة.

الأمر على هذا النحو يكشف عن وجه من وجوه الإعجاز التشريعي في الزكاة. وهو.. الزكاة معجزة من حيث المعيارية للأموال التي فرضت عليها في عصر النبوة.

وهذا الوجه الإعجازى يؤسس عليه المعيار التالي:

المعيار الرابع: معيار وعاء الزكاة في عصر النبوة.



وجه الإعجاز الخامس: جعل تشريع الزكاة يتضمن تلقائياً قيام مؤسسة الزكاة وتطورها

المؤسسية في الزكاة موضوع يتسع البحث فيه وتتعدد عناصره. العناصر التي يناقشها هذا البحث عن هذا الموضوع هي التالية.

1- من بين مصارف الزكاة مصرف العاملين عليها: فقه هذا المصرف يلزم بوجود مؤسسة للزكاة. ويستلزم هذا الفقه أيضاً العمل على رفع كفاءة العاملين على الزكاة في جميع التخصصات والتي منها الفقه والإدارة والمحاسبة والاقتصاد، وغير ذلك مما يلزم لتشغيل مؤسسة الزكاة بكفاءة ومتابعة التطوير اللازم.

2- تخصيص مصرف من مصارف الزكاة للعاملين عليها يحمل وجه إعجاز وذلك لأن هذا المصرف يعنى أن تشريع الزكاة ضمن آلياته قيام المؤسسة اللازمة لتطبيق هذا التشريع. هذا الأمر يحمل إعجازاً من حيث النظر الموضوعي وهو وجود مؤسسة، ويحمل إعجازاً من حيث النظر التاريخي عند نزول التشريع، ذلك أن العالم في ذلك الوقت لم يكن مستوعباً لأهمية المؤسسة كما نراها الآن، ويحمل إعجازاً كذلك من حيث التأطير المؤسسي للعمل التكافلي حيث لم تكن الدنيا بأسرها تعرف ذلك ولم تعرف التأطير المؤسسي للعمل التكافلي إلا حديثاً.

3- دور الدولة في الزكاة يدخل في عناصر المؤسسية فيها. مسئولية الدولة في الزكاة تصل إلى حد أنها تحارب من أجلها. والحرب التي وقعت في خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه ضد مانعى الزكاة هي أول حرب في التاريخ تشنها الدولة ضد الأغنياء لصالح الفقراء. مع أن مسئولية الدولة عن الزكاة تصل إلى هذا الحد إلا أن إيرادات الزكاة لا تخلط بإيرادات الدولة. وطوال التاريخ الإسلامي كان هناك بيت مال الزكاة والذي لا غلط بمال الدولة. الجمع بين الأمرين السابقين وهما مسئولية الدولة عن الزكاة إلى حد الحرب من أجلها ومنع خلط إيرادات الزكاة بإيرادات الدولة – الأمر على هذا النحو فيه إعجاز تشريعي.

المناقشة السابقة عن المؤسسية في الزكاة من حيث فرضيتها وتطورها وكفاءتها واستقلالها تعطى معياراً من معايير الإعجاز التشريعي في الزكاة وهو:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
مدير المنتدى
Admin
avatar

عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: الإعجاز التشريعي في الزكاة   الجمعة 11 يناير - 1:36

المعيار الخامس: الأمثلية المؤسسية وجوداً واستقلالاً وتطويراً.


وجه الإعجاز السادس: الشمول في استيعاب الأموال والأشخاص لتحقيق العدل مع مراعاة طاقة الملتزم وتأمين ضرورياته.

الزكاة من حيث وعائها تمثل إلتزاماً يقع على أموال ويعطى إيراداً وتحليل هذا الجانب يعرف بالتحليل المالي للزكاة. من حيث هذا الجانب فإن فقه الزكاة يتضمن العناصر التالية:

1- عنصر الشمول في الوعاء: الأموال والأشخاص: تفرض الزكاة على المال النامي وبهذا العنصر يستوعب وعاء الزكاة كل أنواع الأموال في المجتمع التي تتوافر فيها خاصية النماء، وهذا نوع من الشمول. عنصر آخر من عناصر الشمول في الزكاة يتعلق بمن تجب عليه، الزكاة عبادة ولهذا يشترط فيها النية وكان يتوقع بسبب أنها عبادة ألا تفرض إلا على المكلف ولكن الزكاة عبادة مالية، وبسبب العنصر المالي فإن الزكاة تفرض على كل الأشخاص حتى ولو كانوا غير مكلفين وذلك مع مراعاة الشروط التي تجب بها الزكاة.

2- عنصر الطاقة الزكوية: يقصد بهذا العنصر مقدرة المكلف بالزكاة على أدائها. وهذا المصطلح مستعار من علم المالية العامة حيث يتكلم فيه عن الطاقة الضريبية. يدخل في عنصر الطاقة الزكوية ما يتعلق بالمعدلات التي تفرض بها الزكاة. تفرض الزكاة على الثروة السائلة المكتنزة بمعدل 2.5%، ونفس المعدل على عروض التجارة. أما الزكاة على الأموال النامية حقيقة، أي المستثمرة، أي التي أصبحت أصولاً رأسمالية منتجة فتفرض بمعدل 5% على إجمال الدخل أو العائد أو بمعدل 10% على صافي الدخل أو العائد. الزكاة بهذه المعدلات لا تمثل عبأً ، بل إنها في حدود الطاقة.

3- عنصر الحصيلة: مع أن المعدلات التي تفرض بها الزكاة منخفضة وفي حدود الطاقة إلا أن حصيلة الزكاة حسب التقديرات التي عملت عنها تكون كبيرة. والسبب في ذلك هو عنصر الشمول في الزكاة من حيث الأموال ومن حيث الأشخاص.

4- عنصر النصاب: لا تفرض الزكاة إلا بعد امتلاك النصاب، وفكرة النصاب في حد ذاتها تعتبر من عناصر العدالة التي ترفع من الكفاءة المالية. فإذا أضيف إلى مجرد وجود فكرة النصاب ما يتعلق بمقدار النصاب فإننا نجد عنصراً آخر من عناصر الكفاءة المالية. نصاب الذهب (وهو نصاب النقود) يقدر بحوالى 85 جرام من الذهب، المبلغ يمثل النصاب لنوع واحد من الأموال التي يمكن أن يمتلكها الشخص، وقد تكون له ممتلكات من أنواع أخرى من الأموال ويكون لها نصابها. فإذا أضيف إلى ذلك أن نصاب النقود هو النصاب في عروض التجارة وفي غيرها من الأموال المشابهة وأيضاً إذا أضيف أن هذا المبلغ يمكن أن يكون بداية حد توفير ما يلزم للإنسان، وبعبارة أخرى حد الاستغناء عن مساعدة الآخرين – إذا أضيف كل هذا إلى ما يتعلق بالنصاب فإنه يثبت للزكاة عنصر تفوق من حيث العدالة وبالتالى من حيث الكفاءة المالية.

من المناقشة السابقة عن بعض العناصر التي ندخل في الكفاءة المالية فإنه يستنتج المعيار التالي:

المعيار السادس: الكفاءة المالية من حيث العدالة بين الملتزمين وتأمين ضرورياتهم.



وجه الإعجاز السابع: الإعجاز في التدفق المستمر الإيرادات الزكاة (يومية الإيرادات)

بعض الأموال التي تفرض عليها الزكاة يعتبر فيها الحول، بينما أموال أخرى تجب الزكاة فيها بمجرد الحصول عليها نحاول البحث أن يتعرف على طبيعة الحولية وطبيعة فرض الزكاة بمجرد الحصول على الدخل وذلك بهدف محدد هو معرفة طبيعة تدفق إيرادات الزكاة.

1- في الأموال التي يلزم لها الحول يحسب الحول بمجرد امتلاك النصاب، فإذا امتلك النصاب في أول المحرم تجب الزكاة بعد عام من هذا التاريخ، وإذا امتلكه في الثاني من المحرم تجب الزكاة بعد عام من هذا التاريخ ... وهكذا. لو أخذنا مجتمعاً به ملايين من المسلمين فإنه يمكن قبول أنه في كل يوم سوف يكتمل النصاب عند أشخاص وبالتالي سيكون هناك كل يوم زكاة.

2- في الأموال التي تجب فيها الزكاة بمجرد الحصول عليها مثل الزروع والثمار فإن المحاصيل الزراعية التي تفرض الزكاة عليها متنوعة زمانياً. يعنى ذلك أنه سوف يكون هناك تدفق إيرادات باستمرار.

3- في زكاة عروض التجارة نفس الشيء، وفي زكاة النشاط الصناعي نفس الشيء، وفي زكاة الثروة العقارية المستغلة نفس الشيء.

النتيجة التي نستنتجها مما سبق هي أن هناك تدفق مستمر لإيرادات الزكاة. بل يمكن القول إن هناك تدفق يومي لإيرادات الزكاة. الربط بين هذا الأمر وهو التدفق اليومي المستمر لإيرادات الزكاة وهدفها يكشف عن وجه إعجاز. إن هدف الزكاة يتحقق في المساعدة على الحياة وعلى استمرارها للفئات الثمانية المذكورة في آية مصارف الزكاة وهي قول الله تعالى ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾[التوبة: 60].

هدف المساعدة على الحياة وعلى استمرارها يظهر في كل يوم ولا يحتمل التأجيل. لذلك جاء تشريع الزكاة على نحو يواجه هذه الحاجات اليومية.

نحاول أن نتعرف أكثر على هذا الوجه الإعجازي بالإحالة إلى النظم المالية التي وضعها الإنسان، إنها تخضع لما يعرف باسم الاعتماد السنوي للميزانية. في مصر على سبيل المثال بعمل بالميزانية في أول يوليو من كل عام. ولذلك فإنه قد يحتاج لنفقات في شهور أبريل ومايو ويونيو التي تمثل الشهور الأخيرة في العام المالي ولكن قد يقال لا توجد اعتمادات والبند قد نفد. ويكون المطلوب هو الانتظار لأول يوليو حيث يعمل بميزانية جديدة.

الحاجات الحياتية التي تغطى من الزكاة لا تحتمل أن يقال بشأنها أن البند قد نفد. هذا يشرح معنى الإعجاز في التدفق اليومى المستمر لإيرادات الزكاة.

هذا الوجه الإعجازي في الزكاة يتأكد عندما نضيف الآتي:

الزكاة تجمع حتى ولو لم يوجد محتاج. هذا الأمر متفق عليه فقهاً.

بناء على المناقشة التي قدمت عن الوجه الإعجازي الذي نتحدث عنه. نستنتج معيار من معايير الإعجاز في الزكاة.

المعيار السابع: التدفق اليومي للإيرادات ليواجه احتياجات التكافل الاجتماعي التي تستجد يومياً.



وجه الإعجاز الثامن: توافر العينية والنقدية في الزكاة بحيث تستوعب وترشد كل التصرفات الممكنة من المستفيدين وتؤسس لكل السياسات المحتملة للمساعدات الاجتماعية

تفرض الزكاة على أنواع من الأموال. تحصل الزكاة من بعضها عيناً ونحصل من البعض الآخر نقداً. الاقتصادات المعاصرة ذات طبيعة نقدية. التعامل مع الأفراد يتم نقداً، وكذا التعامل مع الدولة. فى هذا الصدد يشار إلى أن التعامل العيني كان له وجود في الماضي وقد عرف ذلك في صورة المقايضة، وأيضاً كانت للدولة إيراداتها العينية.

قد يعتقد أن العينية في الزكاة لا تتلاءم مع الاقتصاد المعاصر ذي الطبيعة النقدية. بصدد هذا الأمر فإن البحث يعرض ما يلي:

1- الزكاة فيها ما هو عيني وفيها ما هو نقدي ويجيز الفقه أن تؤدى الزكاة نقداً بدلاً من أدائها عيناً من الأموال التي تكون زكاتها عينية وذلك للحاجة أو المصلحة الراجحة([18]).

في هذا البحث عن الإعجاز التشريعي في وعاء الزكاة نرتبط بشيء جديد هو أن نحاول أن نتعرف على الدلالة الإعجازية التي تحملها العينية في الزكاة.

2- تعطى الزكاة لمصارف ثمانية منها الفقير والمسكين. تحليل سلوك الفقير (عند جمع الفقر والمسكنة معا) يجعل إعطاءه بعض المساعدات في صورة عينية أكثر ملاءمة. المساعدة النقدية للفقير قد تيسر له أن ينفقها في غير احتياجاته الضرورية له ولأسرته، إنه قد ينفقها في شراء مكيفات مثل السجائر أو ما هو أسوأ من ذلك. هذا سلوك متوقع في مثل هذه الحالات. المساعدة العينية في هذه الحالات أكثر أمناً للشخص المحتاج ولأسرته ولمجتمعه.

3- إعطاء مساعدات في صورة عينية له تطبيقاته في المجتمعات المعاصرة، سواء المجتمعات التي تصنف على أنها متقدمة أو المجتمعات التي تصنف على أنها نامية. هذا واقع قائم لا يمكن إنكاره. وليست مساعدات على مستوى الأفراد بل أيضاً مساعدات على مستوى جهاز الدولة ومساعدات بين الدول، وهذا الأمر الأخير معروف. يعنى ذلك أن المجتمعات المعاصرة التي اصطبغت بصبغة نقدية رأت في العينية في مجال المساعدات الاجتماعية كفاءة وملاءمة لم تجدهما في النقدية.

4- المناقشة على هذا النحو تقودنا إلى اكتشاف أحد أوجه الإعجاز التشريعي في وعاء الزكاة وهو وجه يتعلق بالعينية. العينية في بعض إيرادات الزكاة تؤدى وظيفة تعجز النقدية عن أن تؤديها. ومن هنا يكون تشريع الزكاة الذي يجمع بين العينية والنقدية معجزاً لأنه يستوعب كل الاحتياجات تحت أي تطور يمر به الإنسان وتمر به المجتمعات.

بناء على المناقشة السابقة فإنه يستنتج المعيار التالي من معايير الإعجاز في تشريع الزكاة من حيث الوعاء.

المعيار الثامن: توافر العينية والنقدية لاستيعاب كل تصرفات المستفيدين من التكافل وكذلك استيعاب كل سياسات القائمين عليه.



وجه الإعجاز التاسع: الزكاة معجزة من حيث كفاءتها الاقتصادية

تبين من تحليل فرض الزكاة على الثروات والدخول ما يلي:

1- تفرض الزكاة على الثروات المكتنزة، الزكاة تفرض على عين هذه الثروة وتؤدى منها. يعنى ذلك أن هذه الثروة العاطلة تتآكل لأنها لم تكن في خدمة مالكها ولم تؤد وظيفة إيجابية لمجتمعها بحيث تسهم في تقدمه وسد احتياجاته.

2- الثروات التي تحولت إلى أصول رأسمالية منتجة لا تفرض الزكاة على عينها وإنما تفرض على الدخل الذي يتولد منها. الأمر على هذا النحو فيه حفظ للثروات التي أصبحت أصولاً منتجه وبالتالي أصبحت في خدمة صاحبها وخدمة مجتمعها. هذا الأمر في أعلا درجات الكفاءة الاقتصادية لأنه يحافظ على الأصول المنتجة في المجتمع فلا يجبر صاحبها على بيعها ليؤدى الزكاة المفروضة عليها.

3- دخل الفرد يتوزع على الاستهلاك وعلى الادخار، هذه هي الحالة العادية. التصرف الصحيح هو أن تتحول الادخارات إلى استثمارات، وهذا ما يرتبط به الاقتصاديون. تحويل الادخارات إلى استثمارات يؤمن الهدفين اللذين يقوم عليهما الاقتصاد وهما تقدم المجتمع واستقراره. فرض الزكاة على الثروة المكتنزة يعنى أنها تفرض على الادخارات (دخل تحول إلى ثروة) التي لم توجه إلى الاستثمار. الزكاة من هذا الجانب تحقق مطالب المجتمع على الادخارات من حيث دفعها إلى الاستثمار وما يتضمنه ذلك من كفاءة اقتصادية. ولا شك أن مصلحة الفرد صاحب الادخارات تتحقق بطريقة مباشرة له وكذلك من حيث تحقيق مصلحة المجتمع.

هذه المناقشة تقود إلى استنتاج معيار من معايير الإعجاز في الزكاة وهو:

المعيار التاسع: الكفاءة الاقتصادية من حيث التأثير الإيجابي في المتغيرات الاقتصادية المعنية وهي الادخار والاستثمار وحماية الأصول الرأسمالية المنتجة.



وجه الإعجاز العاشر: الزكاة حددت التشريع المعياري للتكافل الاجتماعي

تضمنت الصفحات السابقة تسعة أوجه للإعجاز التشريعي في وعاء الزكاة. عند تحليل هذه الأوجه الإعجازية التسعة فإنه يتبين أنها اشتملت على العناصر التالية:

1- درجة الإلزام.

2- عبادة مالية

3- استيعاب كل التطورات.

4- المعيارية للقياس عليها.

5- الأمثلية المؤسسية.

6- العدالة مع الأشخاص وفي الأموال.

7- تدفق الإيرادات الملائم للتكافل الاجتماعي.

8- الكفاءة المالية.

9- الكفاءة الاقتصادية.

الزكاة تعلمنا أن التشريع الذي يستهدف تحقيق التكافل الاجتماعي يجب أن تتوافر فيه العناصر السابقة. وهذه العناصر هي التي أسست عليها المعايير التسعة التي ذكرت. وهي تستوعب كل ما يمكن وجوده في تشريع يستهدف التكافل الاجتماعي.

تشريع الزكاة من حيث الوعاء يحقق المعيار الآتي:

المعيار العاشر: معيارية الزكاة كتشريع للتكافل الاجتماعي.



مصادر ومراجع البحث

1- ابن تيمية ، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم .

2- الجويني ، ابو المعالي عبد الملك بن عبيد الله ، غياث الأم في التياث الظلم ، تحقيق د . عبد العظيم الديب ، قام بنشره عبد الله بن ابراهيم الأنصاري ، قطر ، الطبعة الاولى 1400 هـ .

3- عبد الوهاب خلاف ، علم أصول الفقه ، دار القلم ، الطبعة الحادية عشرة 1397 – 1977 .

4- أبو عبيد ، كتاب الأموال ، تحقيق محمد خليل هراس ، مكتبة الكليات الأزهرية ودار القلم .

5- د / فهمي عبد العزيز هيكل ، موسوعة المصطلحات الاقتصادية والاحصائية ، دار النهضة العربية ، بيروت 1980.

6- ابن قدامة ، المغنى ، دار الكتاب العربي ، بيروت 1392 – 1972 م .

7- القرطبي ( أبو عبد الله محمد بن احمد الأنصاري القرطبي ) . الجامع لأحكام القرآن ، الطبعة الثالثة عن دار الكتب المصرية ، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر ، 1387 هـ 1967 م .

8- القرطبي أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز القرطبي ، كتاب الكافي في فقه أهل المدينة المالكي ، مكتبة الرياض الحديثة.

9- الماوردي ، الأحكام السلطانية والولايات الدينية ، دار الكتب العلمية بيروت ، لبنان .

10- محمد رواس قلعة جي ، موسوعة فقه عبد الله بن مسعود ، جامعة أم القرى ، من التراث الإسلامي ، الكتاب الثاني والعشرون 1404 هـ 1984 م

11- اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان وضعه محمد فؤاد عبد الباقي ، المكتبة الإسلامية ، تركيا .

12- الإمام أبو زكريا بن شريف النووي ، معنى المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج ، شرح الخطيب الشيخ على الطالبية ، دار الفكر .

13- النويري ( شهاب الدين احمد بن عبد الوهاب ) نهاية الأرب في فنون الأدب ، دار الكتب المصرية .

14- يوسف القرضاوي ، فقه الزكاة ، الطبعة الثامنة ، موسسة الرسالة ، 1405 هـ 1985 م

[1]) الدكتور محمد رواس قلعه جى، موسوعة فقه عبد الله بن مسعود، جامعة أم القرى، من التراث الإسلامي، الكتاب الثاني والعشرون، 1404هـ - 1984م، ص296.

[2]) اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، وضعه محمد فؤاد عبد الباقي، ج1، المكتبة الإسلامية، تركيا، ص3، 4.

[3]) دكتور يوسف القرضاوى، فقه الزكاة، ج1، الطبعة الثامنة، مؤسسة الرسالة، 1405هـ-1985م، ص95.

[4]) المرجع السابق، ص111.

[5]) انظر المرجع السابق، ص126-166.

[6]) لم نذكر العسل مع أنه وردت أحاديث بشأن الزكاة فيه وذلك لأن الزكاة فيه ليست موضع اتفاق.

[7]) المرجع السابق، ص241.

[8]) د / فهمي عبد العزيز هيكل موسوعة المصطلحات الاقتصادية والاحصائية ، دار النهضة العربية بيروت 1980 صفحة 855

4( د / يوسف القرضاوي ، فقه الزكاة ، مرجع سابق صفحة 244



[10]) رواه الطبراني عن أنس بن مالك (نقلاً من المرجع السابق، ص109).

[11]) المرجع السابق، ص344-348.

2( د / فهمي عبد العزيز هيكل موسوعة المصطلحات الاقتصادية والاحصائية مرجع سابق صفحة 389

3 المرجع السابق، ص344-348.

4) المرجع السابق، ص315-322.

1( د / فهمي عبد العزيز هيكل موسوعة المصطلحات الاقتصادية والاحصائية مرجع سابق صفحة 329

[15]) دكتور يوسف القرضاوي فقه الزكاة، مرجع سابق، ص167-236.

[16]) دكتور محمد رواس قلعه جى، موسوعة فقه عبد الله بن مسعود، مرجع سابق، ص301.

[17]) أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي، الكافي في فقه أهل المدينة المالكي، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، ص296-297.

[18]) الإمام أبو زكريا بن شريف النووى، مغنى المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، شرح الخطيب الشريبيني على متن منهاج الطالبية ج1، دار الفكر، ص372.

لتحميل البحث:
http://www.nooran.org/con8/Research/2.htm



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
 
الإعجاز التشريعي في الزكاة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى التمويل الإسلامي :: قسم الزكاة و الوقف :: منتدى الزكاة-
انتقل الى: