منتدى التمويل الإسلامي

يهتم هذا المنتدى بالدرجة الأولى بعرض مساهمات الباحثين في مختلف مجالات العلوم الاقتصادية، كما يركز على الاقتصاد الإسلامي، و هو موجه للباحثين في الاقتصاد و الطلبة و المبتدئين و الراغبين في التعرف على الاقتصاد و الاقتصاد الإسلامي....مرحباً بالجميع
 
الرئيسيةالبوابةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلقائمة الاعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 التمويل واستثمار الأموال في الشريعة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مدير المنتدى
Admin


عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: التمويل واستثمار الأموال في الشريعة   السبت 9 أغسطس - 2:16

التمويل واستثمار الأموال في الشريعة

بقلم أ.د حسام الدين فرفور ( رئيس قسم التخصص والدراسات التخصصية)





بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البحث

التمويل واستثمار الأموال في الشريعة الإسلامية

نظرة موجزة في ضوابط القواعد وسعة المقاصد

بحث علمي مقدم للمؤتمر الثاني للمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية تحت شعار

الصيرفة الإسلامية صيرفة استثمارية

المقام في دمشق برعاية حاكم مصرف سورية المركزي الأستاذ الدكتور أديب ميّالة

في الفترة: (23 - 24 صفر 1428هـ الموافق 12 - 13 آذار 2007م)

إعداد

أ.د. حسام الدين بن محمد صالح فرفور

رئيس القسم الجامعي والدراسات العليا في معهد جمعية الفتح الإسلامي بدمشق

أستاذ فقه المعاملات المالية المقارن والفكر الإسلامي المعاصر

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد خاتم المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:

إنَّ البنوك الإسلاميَّة يمكن أن يكون لها أثرٌ هامٌّ في النُّهوض بالواقع المتردّي للعالم الإسلامي، وفي تخليصه من ظاهرتي: التَّبعية، والسَّلبية؛ لأنَّ هذا الواقع الذي يعانيه العالم الإسلامي وهو: الانحطاط والانهزام والتخلف إنَّما هو نتيجةٌ حتميةٌ لعقلية التبعية والسلبية المنتشرة في عالمنا الإسلامي، التي يحرص أعداء الأمَّة على أن تستفحل وتُهيمن على شعوبنا لتجمِّد أفكارنا وتُعيق تطورنا، على حين أنَّ الأمَّة الإسلاميَّة تملك وتسيطر على ثلث الموارد الاقتصاديَّة للعالم، وتضم ربع سكان العالم، وتنتشر في خُمْسِ مساحة الكرة الأرضية، إلا أنها لا تتقدم ولا تتطور بسبب عقلية التبعية والسلبية.

ويطيب لي في هذا الصدد، أن أنقل بعض فقرات المحاضرة القيمة التي ألقاها بالفرنسية المفكر الإسلامي الفرنسي رجاء جارودي في أول رجب سنة 1406هـ الموافق 11 مارس سنة 1986م، وذلك بالرياض ضمن فعاليات مؤسسة الملك فيصل الخيرية وعنوانها: ((كيف أسلمت)).

((إن العالم الثالث يموت بسبب افتقاده إلى الوسائل، بينما العالمان الغربي الرأسمالي والشرقي الاشتراكي يموتان بسبب افتقارهما إلى الغايات)).

((إن العلوم الحديثة وتقنياتها قد وضعت طاقات عملاقة بين يدي قزم منحرف ضال، فاستغلها لخدمة أهوائه في القوة والمتعة والنمو المادي، مهدداً حقوق الأغلبية ليسحقها الجوع والحرمان والمعاناة، مما أدى إلى ما نطلق عليه اليوم بالسلام المتهالك، أو التوازن القائم على الرعب والذي قد يؤدي بكتلتي القوى العظمى المتجابهتين إلى القضاء على الكرة الأرضية بأسرها)).

إن الملايين من ذوي النوايا الصادقة في كل العالم، يبحثون قلقين في هذا الليل الدامس عن معنى لحياتهم وموتهم وتاريخهم المشترك إلى كل هؤلاء يستطيع الإسلام أن يجيء بالنور المؤدي إلى الصراط المستقيم الذي يهدي الله إليه عباده، فالإسلام وحده هو الذي يستطيع أن يعيدَ إلى العقل الإنساني المستنير بالتعاليم الإلهية، بُعْدَيْه الحقيقين الكاملين:

1 ـ بعد العلم الباحث عن الأسباب والوسائل.

2 ـ وبعد الحكمة الباحثة عن الغايات وعن الله الخالق.

ولقد صنع هذا الاستعمال الكامل اللامحدود للعقل الجامع بين العلم والوحي الإلهي مجد المسلمين الأوائل)).

((إن إسلاماً حياً كهذا نعيشه على هذا النحو وطبقاً لمبادئه ذاتها، قادر على أن يحظى اليوم في العالم بانتشار لا يقل عن انتشاره أيام ازدهاره في القرن الثامن، ففي تلك الفترة، وفي وجه قوتين عظيمتين كانت تنخرهما نفس قوى التفكك والتفتت التي نراها اليوم، امبراطورية الساسانيين وامبراطورية بيزنطة، استطاع الإسلام أن يمنح الملايين من الرجال والنساء شعوراً بحقيقة إنسانيتهم ومعنى لحياتهم الدنيا، فيهبهم حياة جديدة سعيدة بوضعهم على الطريق إلى الله الحق الواحد الأحد، إلى الرجعى والحساب، ) فَمَن يَعْمَل مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه ` وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّاً يَرَه( [الزلزلة: 7 ـ 8].

((لقد أسلمت لأني وجدت في الإسلام ما كنت أبحث عنه طوال حياتي...، وإذا كان الإسلام هو الاستجابة الصادقة لنداء الله، فسنحيا ونموت كلنا مسلمين)).

_________________
من تواضع لله رفعه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
مدير المنتدى
Admin


عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: التمويل واستثمار الأموال في الشريعة   السبت 9 أغسطس - 2:18



خصائص الاقتصاد الإسلامي

إنَّ لكل نظام اقتصادي خصائصه الاقتصادية التي تميزه من النظم الأخرى، والنظام الاقتصادي الإسلامي له هويته الفريدة والمستقلة التي تميزه من النظام الرأسمالي والاشتراكي؛ حيث يقوم على عقيدة واضحة المعالم يستمد منها خصائصه ومقوماته وأهدافه، ويرتكز على تشريع إلهي يضبط هذه الخصائص والمقومات.

ومن خصائصه: أنه اقتصاد رباني، وعقدي، وأخلاقي، وواقعي، وإنساني عالمي، ويوازن بين مصلحة الفرد والمجتمع، وأنه فريد في نوعه، مستقل عن غيره، وهو اقتصاد موجه، والمال فيه وسيلة وليس غاية، وذو طابع تعبدي، والملكية فيه لله تعالى، والإنسان مستخلف فيها، ويمكن أن نذكر بعض هذه الخصائص وأهمها في المباحث الآتية:

المبحث الأول: الاقتصاد الإسلامي اقتصاد إلهي رباني وعقدي:

أولاً: اقتصاد إلهي رباني:

إذا كانت النظم الاقتصادية الرأسمالية والاشتراكية تقوم على القوانين التي وضعها البشر فتستمد منها تشريعها ومبادئها وخصائصها التي تنظم الحياة الاقتصادية للفرد والمجتمع فإن الاقتصاد الإسلامي إلهي يستمد قواعده وأصوله ومبادئه وخصائصه من مصادر التشريع الإسلامي التي شرعها الله عز وجل، وقد ذكر القرآن الكريم والسنة النبوية كثيراً من المبادئ الاقتصادية، منها:

1 ـ المال مال الله والبشر مستخلفون فيه، قال سبحانه وتعالى: ] وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُسْتَخْلَفِينَ فِيه[ [الحديد: 7]، وقوله سبحانه وتعالى: ] للهِ مُلْكُ اْلسَّمَوَاتِ وَاْلأرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِير[ [المائدة: 120].

2 ـ احترام الملكية الخاصة: قال سبحانه وتعالى: ] لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْن[ [النساء: 32].

3 ـ الحرية الاقتصادية المقيدة: قال الله سبحانه وتعالى: ] يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالبَاطِلِ إلاَّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُم[ [النساء: 29].

4 ـ ترشيد الإنفاق: قال الله سبحانه وتعالى: ] وَكُلُواْ وَاشرَبُواْ وَلا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين[ [الأعراف: 31].

5 ـ التنمية الاقتصادية وعمارة الكون: قال الله سبحانه وتعالى: ] هُوَ أَنشَأَكمُ مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا[ [هود: 61].

6 ـ العدالة الاجتماعية وحفظ التوازن بين أفراد المجتمع: قال الله سبحانه وتعالى: ] كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ[ [الحشر: 7].

7 ـ حماية البيئة وعدم إفساد الموارد الطبيعية والاقتصادية: قال الله سبحانه وتعالى: ] وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ` أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لا يَشْعُرُون[ [البقرة: 11 ـ 12]، وقال الله سبحانه وتعالى: ] وَإذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ويُهْلِكَ الْحَرثَ والنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسَاد[ [البقرة: 205].

8 ـ إباحة الطيبات وتحريم الخبائث: قال الله سبحانه وتعالى: ] وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِث [ [الأعراف: 157].

9 ـ استثمار المال وعدم كَنْزه: قال الله سبحانه وتعالى: ] وَلا تُؤْتُواْ السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيامَاً وَارْزُقُوهُم فِيهَا وَاْكسُوهُم وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً[ [النساء: 5].

إن من مقتضى كون الاقتصاد الإسلامي إلهياً وربانياً مسؤولية الفرد والمجتمع عن القيام بأي نشاط اقتصادي يخالف فيه شرع الله عز وجل، فإذا ما عصي الله عز وجل بشيء من ذلكم فإنه سبحانه وتعالى سيجعل الفرد والمجتمع في مشقة من العيش وأزمة اقتصادية في الدنيا، قال الله سبحانه وتعالى: ] وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً[ [طه: 124]، وسيسألون عما فعلوا في الآخرة، قال الله سبحانه وتعالى: ] فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ` عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون[ [الحجر: 92 ـ 93].

_________________
من تواضع لله رفعه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
مدير المنتدى
Admin


عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: التمويل واستثمار الأموال في الشريعة   السبت 9 أغسطس - 2:19

ثانياً: اقتصاد عقدي:

إن الأسس العقدية التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي وينبثق منها ويرتبط فيها لتوجيه النشاط الاقتصادي الوجهة الصحيحة هي التي تنسجم مع توجيهات العقيدة وتترتب عليها نتائج اقتصادية طيبة.

فالعقيدة الإسلامية التي تهدف إلى ربط قلب المسلم بالإيمان بالله عز وجل المالك الأصلي والحقيقي لكل ما في هذا الكون والإيمان باليوم الآخر الذي يحاسب فيه كل امرئ على ما قدم وأخر، ومراقبة الله سبحانه وتعالى في كل نشاط يقوم به لها أثر عظيم في تصحيح مسيرة الاقتصاد والنشاط الاقتصادي الفردي والجماعي؛ حيث يعتقد المسلم أن الله عز وجل خلقه لعمارة هذا الكون قال الله سبحانه وتعالى: ] هُوَ أَنشَأكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاستَعْمَرَكُمْ فَيهَا [ [هود: 61]، وأن ما فيه من خيرات ونعم إنما سخرها الله عز وجل له، قال الله سبحانه وتعالى: ] وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلكَ لِتَجْريَ في البَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَار ` وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّليلَ وَالنَّهَارَ ` وَءَاتاكُم مِّن كُلِّ مَا سَألتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الإنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار[ [إبراهيم: 32 ـ 34].

وإن ملكية الإنسان هي ملكية مؤقتة والمالك الحقيقي هو الله عز وجل، قال الله سبحانه وتعالى: ] إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون [ [مريم: 40]، وأن الله عز وجل فاوت في الرزق بين العباد وجعلهم درجات في ذلك، قال الله سبحانه وتعالى: ] والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون [ [النحل: 71].

المبحث الثاني: الاقتصاد الإسلامي اقتصاد ذو طابع تعبدي وأخلاقي:

أولاً: اقتصاد ذو طابع تعبدي:

خلق الله عز وجل الخلق لعبادته، قال الله سبحانه وتعالى: ] وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون[ [الذاريات: 56]، ومن فضله سبحانه وتعالى على عباده أنه لم يجعل العبادة محصورة فيما افترض عليهم بل وسع من دائرتها لتشمل كل عمل خير نافع يفيد الفرد والمجتمع بشرط إخلاص النية فيه لله تعالى وكون هذا العمل مشروعاً، لقوله سبحانه وتعالى: ] قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين[ [الأنعام: 162].

وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الأعمال التي يقوم بها الإنسان لمعيشته وكفاية نفسه وأهله ومجتمعه عبادة يتقرب بها العبد إلى الله، فالزارع في حقله يثاب على عمله، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((ما من مسلم يزرع زرعاً أو يغرس غرساً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة)).

ثانياً: الاقتصاد الإسلامي اقتصاد أخلاقي:

ظلت العلاقة بين الاقتصاد والقيم الأخلاقية موضع جدل ونقاش بين الاقتصادين منذ القرن السابع عشر الميلادي حتى يومنا هذا، حيث يستبعد بعض الاقتصاديين ربط الأخلاق بالاقتصاد، وعلى هذا قامت النظم الاقتصادية المعاصرة التي فصلت بين الأخلاق والاقتصاد، ولم تميز بين ما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي في أي سلوك اقتصادي؛ إذ العَالِم الاقتصادي لم يهتم إلا بالوسائل التي تشبع رغبات الإنسان، بغض النظر عن طبيعة هذه الرغبات ودوافعها وأهدافها... فما يهم الاقتصادي إلا إشباع رغبة الإنسان بأي شكل كان، وبأي وسيلة، ولو كانت محرمة.

أما الاقتصاد الإسلامي فلا يفرق بين الاقتصاد والأخلاق، بل يربط بينهما برباط وثيق؛ إذ إن معظم أحكام الشريعة الإسلامية مرتبطة بالأخلاق، وتقوم على أسس أخلاقية ولا سيما المعاملات المالية الاقتصادية.

الصدق والأمانة: قال سبحانه وتعالى: ] يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون[ [الأنفال: 27]، وقال سبحانه وتعالى: ] يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين[ [التوبة: 119]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينَّا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما)).

فهذه الأصول الأخلاقية تأمر المسلم بالصدق والأمانة أثناء مزاولة النشاط الاقتصادي فيكون صادقاً في معاملته مع الآخرين، وأميناً في عمله، فلا يخون فيه، وبناءً على هذه القيم الأخلاقية استنبط الفقهاء المسلمون جملة من المعاملات الاقتصادية، وجعلوا الصدق والأمانة أساساً في صحتها، وترتُّب النتائج عليها، مثال ذلك: بيوع الأمانة التي تعتمد على تحديد الثمن فيها على ذكر رأس المال الذي اشترى به البائع سلعته، وهي أنواع:

1 ـ المرابحة: وهي بيع السلعة بالثمن الذي اشتريت به مع زيادة شيء معلوم من الربح.

2 ـ الوضيعة أو الحطيطة: وهي بيع السلعة بأقل مما اشتريت به، أي: بخسارة معلومة.

3 ـ التولية: وهي بيع السلعة بنفس الثمن الذي اشتريت به، أي: البيع بلا ربح ولا خسارة، وهي نقل جميع المبيع من البائع إلى المشتري بنفس الثمن الذي اشترى به، من غير زيادة ولا نقصان.

وسميت هذه البيوع بيوع الأمانة؛ لأن البائع مؤتمن في إخباره عن الثمن الذي اشترى المبيع به.

إنما ذكرناه من الأدلة الشرعية وغيرها كثير يرد بشكل صريح على أولئك الذي يزعمون أن الإسلام ليس إلا وصايا أخلاقية في الاقتصاد ليست لها أي صفة إلزامية، ومن هنا يبدو أن الاقتصاد الإسلامي هو النظام الوحيد الذي ربط بوضوح بين الاقتصاد والأخلاق

_________________
من تواضع لله رفعه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
مدير المنتدى
Admin


عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: التمويل واستثمار الأموال في الشريعة   السبت 9 أغسطس - 2:20

المبحث الثالث: الاقتصاد الإسلامي اقتصاد إنساني عالمي وواقعي:

أولاً: اقتصاد إنساني عالمي:

لما كان الإسلام ديناً عالمياً إنسانياً أبدياً لقوله سبحانه وتعالى: ] وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين[ [الأنبياء: 107] فإن كل ما يتصل به يأخذ هذه الصفة؛ لذلك يكون الاقتصاد الإسلامي اقتصاداً إنسانياً عالمياً.

ومما يدل على ذلك أن الاقتصاد الإسلامي لم يفرق في المعاملة بين فرد وآخر أو بين شعب وآخر أو بين أمة وأخرى، ولذلك كان التشريع للناس كافة، يقول الله سبحانه وتعالى: ] إن الله يأمركم أن تؤدُّوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل[ [النساء: 58].

ثانياً: اقتصاد واقعي:

الاقتصاد الإسلامي اقتصاد واقعي لأنه يراعي في نظرته الاقتصادية واقع الفرد والمجتمع فيرى متطلباته من خلال الواقع الذي يعيش فيه، فينظر إلى إمكانياته وظروفه وبيئته وطبيعته وفطرته... فلا يحمله من التكاليف ما لا يطيق، قال الله سبحانه وتعالى: ] لا يكلف الله نفساً إلى وسعها[ [البقرة: 286].

إن الرأسمالية على الرغم من الإبداع المادي الذي حققته لم تحل مشكلات الإنسان ولم تستطع إسعاده؛ لأنها لم تنظر إلى هذا الإنسان على أنه سيد هذا الكون، بل جعلته يسابق الريح من أجل الحصول على أكبر مبلغ ممكن من المال، فهو يسعى إلى الربح ولو على حساب الآخرين، فجعلت من الفرد آلة، والله عز وجل أراد للإنسان أن يكون مهندساً للآلة لا آلة.

تحريم الرّبا في الشَّريعة الإسلاميَّة من أهمِّ الخصائص التَّشريعية

تحريم الربا مما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع، بل هو مما علم من دين الرسل بالضرورة، فهو لم يحل شريعة قط.

ومن أدلة تحريمه من الكتاب:

قوله تعالى: } الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ` يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم{ [البقرة: 275 ـ 276].

إلى قوله تعالى: } يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ` فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون{ [البقرة: 278 ـ 279].

وفي هذه الآية رد قاطع على زعم من زعم أن الربا لا يحرم إلى إذا كان أضعافاً مضاعفة؛ لأن الله عز وجل لم يبح إلى رؤوس الأموال دون الزيادة عليها.

ومن السنة:

ما جاء في الصحيح من حديث جابر أنه قال: ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه))، "مسلم بشرح النووي": 11/26، "أحمد": 1/83، "ابن ماجة": 2/764.

وما رواه الحاكم في صحيحه عن عبدالله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((للربا سبعون باباً أيسرها أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم))، "المستدرك": 2/37.

وما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات، قيل يا رسول الله: ما هي؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلاَّ بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات))، "البخاري": 4/12، "مسلم بشرح النووي": 1/477.

وما رواه الترمذي من قوله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: ((ألا وإن كل ربا الجاهلية موضوع...)) "الترمذي": 5/273، "ابن ماجة": 2/1015، ((وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ـ ربا عباس بن عبد المطلب ـ فإنه موضوع كله)).

وهذا الإهدار للربا وإن كان فيما كان أصله في الجاهلية، فإن ما يستأنف من ذلك في الإسلام لأشد تحريماً وأَوْلى بعدم الجواز.

ومن الإجماع:

وأمَّا الإجماع فقد أجمع المسلمون في سائر الأعصار والأمصار على حرمته في الجملة وقد نقل هذا الإجماع فقهاء المذاهب جميعاً.

هذا وإن حرمة الربا أظهر من أن يستدل عليها، فهي في ثبوتها كثبوت أصول الفرائض، كوجوب الصلاة والصيام والزكاة والحج، ومن هنا كان الإسهاب في تقرير ذلك من نافلة القول.

ومن طرائف ما يروى أن رجلاً أتى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبدالله: رأيت رجلاً سكران يتفاقر يريد أن يأخذ القمر بيده، فقلت: امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر، فقال: ارجع حتى أتفكر في مسألتك، فأتاه من الغد فقال: امرأتك طالب، إني تصفحت الكتاب والسنة فلم أر شيئاً أشر من الربا؛ لأن الله تعالى آذن فيه بالحرب، أي: في قوله تعالى: } فأذنوا بحرب من الله ورسوله{ [البقرة: 279]

تحريم الربا في جميع الشرائع السماوية:

لم يقتصر تحريم الربا على الشريعة الإسلامية بل امتد ليصبح من الحقائق المسلمة في جميع الشرائع السماوية.

جاء في العهد القديم:

((إذا أقرضت مالاًَ لأحد من أبناء شعبي فلا تقف منه موقف الدائن، لا تطلب منه ربحاً لمالك)).

وجاء فيه أيضاً:

((إذا افتقر أخوك فاحمله... لا تطلب منه ربحاً ولا منفعة)).

(25 ـ 35 من سفر اللاويين)

إلا أنَّ اليهود لا يرون مانعاً من أخذ الربا من غير اليهودي كما في سفر التثنية، بل قد استحلوا فيما بينهم ذلك بأنواع من الحيل، وقد بكتهم القرآن الكريم بذلك في قوله تعالى: } وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل{ [النساء: 161].

أي أن الله قد نهاهم عن الربا فتناولوه وأخذوه، واحتالوا عليه بأنواع من الحيل وصنوف من الشبه وأكلوا أموال الناس بالباطل.

وفي العهد الجديد:

((إذا أقرضتم لمن تنتظرون منه المكافأة فأي فضل يعرف لكم؟ ولكن افعلوا الخيرات وأقرضوا غير منتظرين عائداتها وإذن يكون ثوابكم جزيلاً)).

(34 ـ 35 ـ 36 انجيل لوقا)

وقد اتفقت كلمة الكنيسة على تحريم الربا تحريماً قاطعاً استناداً إلى هذه النصوص.

يقول سكوبار: ((إن من يقول إن الربا ليس بمعصية يعد ملحداً خارجاً عن الدين)).

ويقول الأب بوني: ((إن المرابين يفقدون شرفهم في الحياة الدنيا، وليسوا أهلاً للتكفين بعد موتهم)).

أما في المذاهب الوضعية:

فإن تحريم الربا والتفطن إلى خطورته لم يقتصر فقط على طائفة العلماء والأحبار والرهبان، بل تعدى ذلك إلى غيرهم من الوضعيين فلقد تفطن كثير من قادة الاقتصاد في الغرب إلى مساوئ الربا وجنايته على البشرية فأعلنوا عليه حربهم كذلك بلا هوادة، ومن هؤلاء:

الاقتصادي البريطاني آدم سميث في القرن الثامن عشر.

كينْز البريطاني في القرن العشرين.

شاخت الألماني.

ولقد ألقى هذا الأخير محاضرة بدمشق عام 1952م جاء فيها:

((إن بعملية رياضية ـ غير متناهية ـ يتضح أنَّ جميع المال في الأرض صائر إلى عدد قليل جداً من المرابين؛ ذلك أن الدائن المرابي يربح دائماً في كل عملية، بينما المدين معرض للربح والخسارة، ومن ثم فإن المال كله في النهاية لا بد ـ بالحساب الرياضي ـ أن يصير إلى الذي يربح دائماً وإن هذه النظرية في طريقها للتحقيق الكامل؛ فإن معظم مال الأرض الآن يملكه ـ ملكاً حقيقياً ـ بضعة ألوف، أما جميع الملاك وأصحاب المصانع الذين يستدينون من البنوك والعمال وغيرهم فهم ليسوا سوى أجراء يعملون لحساب أصحاب المال، ويجني ثمرة كدهم أولئك الألوف))

_________________
من تواضع لله رفعه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
مدير المنتدى
Admin


عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: التمويل واستثمار الأموال في الشريعة   السبت 9 أغسطس - 2:21

مفهوم الاستثمار في الفكر الإسلامي

يتميز الاستثمار الإسلامي بأن له طبيعة خاصة ومتميزة حيث يعد استثمار المال وتنميته واجباً شرعياً انطلاقاً من قوله صلى الله عليه وسلم: ((من ولي يتيماً فليتجر له في ماله ولا يتركه حتى تأكله الصدقة))، ويعد المحافظة على الأموال من مقاصد الشريعة، والتي ذكرها الشاطبي: ((حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال)).

ويعد الربح في الفكر الإسلامي وقاية لرأس المال؛ حيث يجمع جمهور الفقهاء على أنه: ((لا ربح إلاَّ بعد سلامة رأس المال))، وعلى أن الربح وقاية لرأس المال وجابر له من الخسران الذي يلحق به.

أ ـ معايير استثمار الأموال في الإسلام:

وضع الإسلام مجموعة من المعايير التي تحكم استثمار الأموال من أهمها:

1 ـ معيار العقيدة؛ حيث ينطلق استثمار المال وفقاً للضوابط الشرعية وأن المال مال الله والإنسان مستخلف فيه، ويجب استخدامه بعيداً عن الربا.

2 ـ المعيار الأخلاقي؛ حيث يلتزم الفرد المسلم بمجموعة من القيم الأخلاقية عند استثمار الأموال من أهمها: عدم الغش، وعدم أكل أموال الناس بالباطل.

3 ـ معيار التنمية؛ حيث يهدف التشغيل الكامل لرأس المال إلى تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وعلى أن يتم مراعاة أولويات الاستثمار وهي الضروريات والحاجيات والتحسينات.

4 ـ معيار ربط الكسب بالجهد، وهو من القواعد الشرعية التي تحكم المعاملات في الإسلام، فلا كسب بلا جهد ولا جهد بلا كسب.

5 ـ معيار الغنم بالغرم، وهو الربح مقابل الخسارة، وينطلق هذا المعيار من القاعدة الشرعية: (الخراج بالضمان) والتي تعني أن من ضمن أصل شيء فله ما يخرج منه من ربح أو خسارة.

ب ـ السمات التي يتميز بها الاستثمار في البنوك الإسلامية:

يتميز الاستثمار في البنوك الإسلامية بالعديد من السمات من أهمها:

1 ـ التعدد والتنوع بما يوفر أساليب تتناسب مع كافة الاحتياجات.

2 ـ البعد عن استخدام أسعار الفائدة.

3 ـ تمسك إدارة البنك الإسلامي بالمفهوم الحقيقي للنقود باعتبارها وسيلة للاستثمار وليست سلعة؛ حيث إن النقود كما قال ابن القيم هي: رؤوس أموال وجدت ليتجر بها لا فيها.

4 ـ ربط المشروعات الاستثمارية بالاحتياجات الحقيقية للمجتمع عملاً بأولويات الاستثمار في الشريعة: (الضروريات والحاجيات والتحسينات).

5 ـ الالتزام بأحكام الإسلام إباحة أو منعاً في مختلف الأنشطة الاستثمارية للبنك.

6 ـ إن جميع الأساليب تضمن استخدام التمويل في الاقتصاد الحقيقي بمعنى توجيهها لإنتاج وتوزيع السلع والخدمات.

7 ـ تحقيق العدالة بين طرفي المعاملة الاستثمارية.

وباختصار: إنه اقتصاد استثماري إنتاجي حقيقي يقوم بتنمية المجتمع مادياً ومعنوياً، دينياً ودنيوياً

_________________
من تواضع لله رفعه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
مدير المنتدى
Admin


عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: التمويل واستثمار الأموال في الشريعة   السبت 9 أغسطس - 2:23

مجموعات الصيغ التي تتعامل بها المصارف الإسلامية

إنَّ أسلوب تعامل البنوك الإسلامية يعتمد نماذج جديدة مبتكرة للطرق التمويلية بعيدة عن استخدام أسعار الفائدة الثابتة، فهذه الأدوات الإسلامية البديلة مصممة بشكل تنحاز فيه لصالح النشاط الحقيقي المنتج لا النشاط النقدي الطفيلي، وهي بذلك تؤدي دوراً مهماً في دفع الحركة الاقتصادية والإنتاجية في المجتمع، كما أن هذه الأدوات والصيغ تلامس الاحتياجات الفعلية للعملاء، وتتفق مع المبادئ والأحكام الشرعية للمعاملات، وبذلك فإنها تكون أقرب لمشاعر ونفسية المجتمعات الإسلامية، ويمكن تقسيم هذه الصيغ وأساليب التمويل المنتشرة حالياً لدى البنوك والمصارف الإسلامية إلى أربع مجموعات رئيسية كل مجموعة لها خصائص محددة تميزها وتحدد طبيعتها، كما يندرج ضمن كل منها عدد من العقود المختلفة المعروفة التي تتعامل بها البنوك والمصارف الإسلامية والتي هي مستمدة أساساً من الفقه الإسلامي، وهذه المجموعات الأربع هي:

ـ مجموعة صيغ الاتِّجار.

ـ ومجموعة صيغ الإيجار.

ـ ومجموعة صيغ الاشتراك.

ـ ومجموعة صيغ الاسترباح.

أما مجموعة الاتِّجار فهي تشمل الصيغ والأساليب القائمة على التمويل بالبيوع، أي: عمليات الشراء بقصد البيع؛ للحصول على الربح الحلال المتمثل في الفرق بين تكلفة الشراء وثمن البيع، وتمكن هذه الصيغ من تقديم المواد الأولى ومختلف البضائع والسلع والأصول لكل من يحتاجها، وأهم خصائص هذه المجموعة أنها:

ـ تمكن من توفير احتياجات الأفراد أو المؤسسات من السلع والبضائع المختلفة.

ـ تنقل ملكية السلع والبضائع من البائع إلى المشتري بمجرد التعاقد.

ـ يندمج الربح فيها مع الثمن المؤجل، ويعتبر جزءاً لا يتجزأ من القيمة التمليكية.

ويلاحظ هنا أن هذه المجموعة تتضمن مختلف عقود البيوع المعروفة، مثل: بيع الأجل، وبيع المرابحة المؤجلة، وبيع السلم، وبيع الاستصناع.

وبيع الأجل وبيع المرابحة كما تجريه البنوك الإسلامية ينتج عنهما مديونية ثابتة في ذمة المشتري؛ لأن البنك يلعب دور البائع في هذه الصيغ؛ حيث إنه بعد شراء السلع والأصول وتملكها يقوم ببيعها بالأجل أو بالمرابحة لعميله، وبالتالي يقوم البنك هنا بتمويل عملائه بصفتهم مشترين للسلع.

بينما الأمر معكوس في عقد السلم؛ لأن الدور الأساسي الذي يلعبه البنك في هذه الحالة هو دور المشتري وليس البائع، فالبنك بموجب عقد السلم يشتري سلعة موصوفة في الذمة مقابل دفعه الثمن كاملاً لعميله البائع عند إبرام العقد وبالتالي يقوم البنك هنا بتمويل عملائه بصفتهم بائعين للسلع، وحسب عقد السلم فإن البنك الإسلامي يستلم السلعة في الأجل المتفق عليه، ولكنه سوف لن يبقي هذه السلعة لديه، بل سيعمل على تصريفها وكسب ربحه من إعادة بيعها للغير بسعر أعلى، والبنك هنا أمامه عدة خيارات:

ـ فقد يقوم بإبرام عقود سلم موازية؛ بحيث يبيع بالسلم سلعة من نفس مواصفات السلعة التي اشتراها، وقد يبيع نفس الكمية التي اشتراها بعقد واحد، أو يبيع كميات مجزئة منها بعقود متعددة.

ـ وقد يحصل البنك على وعد من طرف ثالث مستفيد يلتزم بموجبه بشراء سلعة من نفس مواصفات السلعة المبرم بشأنها عقد السلم، وعليه بعد أن يستلم البنك السلعة في الأجل يقوم ببيعها على هذا الطرف الثالث الواعد بالشراء، وهذا الأسلوب يسمى السلم المقترن بالوعد بالشراء.

ـ وقد يقوم البنك بتوكيل البائع بالسلم بتصريف السلعة وبيعها للغير نيابة عن البنك لمعرفته الأوسع بأوضاع السوق والمتعاملين فيه ويسمى هذا الأسلوب بالسلم مع توكيل البائع.

أما بالنسبة لعقد الاستصناع فإن البنك يمكن أن يدخل في التمويل مع عميله إما بصفته صانعاً أو مستصنعاً: فإذا كان عميله الراغب في التمويل هو جهة تقوم بالتصنيع والإنتاج فهنا يدخل البنك كمستصنع بحيث يشتري بموجب عقد الاستصناع سلعة محددة المواصفات يتسلمها في الأجل ويدفع ثمنها معجلاً أو مقسطاً أو مؤجلاً، ثم بعد أن يستلم هذه السلعة المصنوعة يسعى إلى تصريفها بأي شكل من الأشكال التي ذكرناها في السلم بحيث يبرم عقد استصناع موازياً يكون فيه هو البائع الصانع، أو يحصل على وعد بشراء السلعة المصنوعة في الأجل بعد تسلمها، أو يوكل عميله الصانع ببيع السلعة نيابة عنه.

وفي حالة قيام البنك بدور الصانع فإنه حينئذ يقوم بتمويل عملائه بصفتهم المشترين للسلع المصنوعة والذين لا يمكنهم دفع ثمنها نقداً للمقاول فيتوسطون في هذه المعاملة، والبنك بعد أن يتعاقد مع عملائه على بيع السلعة المصنوعة يقوم بإبرام عقد استصناع موازٍ مع أحد المقاولين حتى يتمكن بعد شرائها وتسلمها من تسليمها للعميل المشتري، وهذا ما يسمى بالاستصناع والاستصناع الموازي.

إن هذه العقود: البيع بالأجل، والمرابحة، وعقد السلم، والاستصناع، أصبحت والحمد لله من الأساليب المستخدمة بكثرة في نشاط البنوك الإسلامية، وقد تم تقنين هذه العمليات بشكل مفصل ومحدد، كما تم ضبط إجراءاتها وشروطها وأحكامها بما يحقق بإذن الله حسن التنفيذ والتطبيق.

نأتي الآن إلى المجموعة الثانية، وهي مجموعة أساليب الإيجار:

فهي تختلف عن المجموعة السابقة أساساً؛ من حيث إنها لا تنقل ملكية العين نفسها، وإنما تنقل فقط ملكية المنفعة، فهذه الأساليب تمكن من الحصول على الأعيان والأصول ليس لامتلاكها، وإنما للانتفاع باستخدامها خلال مدة زمنية محددة مقابل أجر معلوم.

وخلال كامل مدة الإجارة يبقى البنك الممول بصفته المؤجر هو مالك الأعيان والأصول وبالتالي هو الذي يتحمل تبعات ومخاطر هلاك العين المؤجرة؛ لأنها باقية على ملكه، وهو الذي يلتزم بصيانتها الأساسية نظير استمراره في استحقاق الأجرة.

ونجد في تطبيقات البنوك الإسلامية ثلاثة أنواع رئيسية من الإجارة:

ـ فهناك الإجارة التشغيلية التي يتولى فيها البنك إجارة العين مرة تلو الأخرى حتى لا تبقى بدون استعمال إلا لفترات قصيرة، ويتحمل البنك في ذلك مخاطر ركود السوق وانخفاض الطلب على تلك الأعيان مما يؤدي إلى مخاطر عدم استغلالها.

ـ وهناك الإجارة المنتهية بالتمليك، وهي تختلف عن الإجارة التشغيلية من حيث إن ملكية الأعيان المؤجرة تؤول في نهاية عقد الإجارة إلى المستأجر نفسه بعد سداده لكامل أقساط الإجارة، وذلك طبقاً لما يصدره المؤجر من وعد بالبيع أو إبرامه لعقد هبة معلق على شرط السداد، ويكون الوعد بالبيع أو الهبة المعلقة على شرط السداد في عقد منفصل عن عقد الإجارة، وتسري بطبيعة الحال جميع أحكام الإجارة التشغيلية على الإجارة التمليكية قبل انتقال ملكية الأعيان إلى المستأجر.

ـ وهناك نوع ثالث من الإجارة طبقته البنوك الإسلامية وإن كان بشكل أقل وهي الإجارة الموصوفة في الذمة، ففي هذه الحالة لا تكون العين المؤجرة موجودة معينة تسلم عند التعاقد وإنما تكون الإجارة على منفعة عين موصوفة بصفات دقيقة يتفق عليها تمنع حدوث أي تنازع، ويلتزم المؤجر بالحصول عليها لتسليمها في التاريخ المحدد وتكون هذه الإجارة الموصوفة شبيهة بعقد السلم ولكن لا يشترط فيها تعجيل الأجرة.

وعموماً تتميز عقود الإجارة بمختلف أنواعها في كون الربح فيها مستقلاً عن قيمة العين؛ لأنه عبارة عن أجر يحصل مع تجدد المنفعة، ولذلك تكون الإجارات مرتبطة بالزمن، وتكون سلامة العين طيلة فترة العقد من مسؤولية المالك المؤجر.

وبعد هاتين المجموعتين: مجموعة أساليب الاتِّجار، ومجموعة أساليب الإيجار، هناك أيضاً مجموعتان أُخْرَيان وهما: مجموعة أساليب الاشتراك، ومجموعة أساليب الاسترباح، ويندرج ضمن مجموعة الاشتراك مختلف أنواع المشاركات التي يساهم فيها مختلف الأطراف في تقديم رأس المال سواء كان رأس المال هذا من النقود كما في شركات الأموال، أو كان عملاً كما في شركات الأبدان، أو الأعمال المعروفة في الفقه الإسلامي ويتميز هذا النوع من الأساليب باشتراك مختلف المساهمين في العمل والإدارة والتصرف في المال فهو حق لكل منهم، كما يتميز باشتراكهم جميعاً في الأرباح الناتجة وفقاً لما يتفقون عليه من نسب، أما الخسارة فإنهم يتحملونها جميعاً بحسب حصص مساهمتهم في رأس المال أو في ضمان الديون.

وهذه المجموعة من أساليب الاشتراك تختلف عن مجموعة أساليب الاسترباح من الناحية التمويلية، ففي هذه الأخيرة لا يوجد اشتراك جميع المساهمين في تقديم رأس المال، كما أنهم لا يتحملون جميعاً الخسارة، فهناك فصل تام بين الجهة المالكة بين رأس المال والجهة التي تقوم بالعمل والتصرف فيه.

كما تتميز أساليب الاسترباح بأن الطرف المقدم لرأس المال هو الذي يتحمل وحده الخسارة إن حدثت، أما الربح فهو يوزع بين مختلف الأطراف حسب الاتفاق؛ لأن الغاية من عقود الاسترباح هو تحقيق الربح والاشتراك فيه، ويندرج ضمن مجموعة الاسترباح:

1 ـ عقود المضاربة إذا كان رأس المال نقوداً.

2 ـ عقود المزارعة إذا كان رأس المال المقدم عبارة عن أرض يزرعها المزارع لقسمة الحاصل بين الطرفين بالحصص المتفق عليها وقت العقد.

3 ـ وعقود المساقات في حالة تقديم أشجار لمن يصلحها بنصيب شائع معلوم من الثمر، وسميت بذلك لأن أهم الأعمال التي يصلح بها الشجر هو السقي.

هذه هي إذاً المجموعات الأربع الرئيسية لصيغ وأساليب التمويل الإسلامية، وهي مجموعات لكل منها ذاتيتها وخصائصها، يمكن للبنوك والمصارف الإسلامية أن تبني على أساسها عدداً من العقود الأخرى المستجدة وفقاً لاحتياجات المتعاملين معها طالما كانت هذه العقود متفقة مع الضوابط العامة والمبادئ المقررة.

4 ـ وتعتبر سندات المقارضة ـ أي: المضاربة عند الحنفية ـ من الأدوات الأولى التي تم تصميمها، وهي الأكثر استخداماً في واقع البنوك والمصارف الإسلامية، وهذه السندات تمثل حصص مشاركة في أصول ومنافع تم تكوينها من الاكتتاب في رأس مال مشروع أو مشروعات معينة، وهي تقوم على أساس عقد المضاربة الشرعية، فيمثل أصحاب هذه السندات أرباب مال، أما الجهة التي تصدرها فهي تمثل المضارب الذي يتمتع بحق الإدارة والتصرف بالمشروع وحق اتخاذ القرارات الإدارية والاستثمارية المتعلقة بالمشروع وذلك من أجل تحقيق الربح وتوزيعه بينه وبين أرباب المال بالنسب المتفق عليها.

ويمكن للمستثمرين أفراداً أو مؤسسات الاستفادة من سندات المقارضة هذه لاستقطاب الأموال اللازمة إذا ما رغبت في إنشاء مشروعات جديدة أو توسيع مشروعات قائمة مع سعيها في المحافظة على حقها في الإدارة والتصرف.

5 ـ وهناك سندات السلم التي يمكن أن تصدرها الدولة لتوفير الموارد العاجلة مقابل التزامها بتقديم كمية محددة من السلع القابلة للوصف في تاريخ معين مثل: البترول، والغاز، والحبوب، وغيرها، وتبيع الدولة هذه السلع بأسعار منخفضة؛ بحيث يحقق مالكها كسباً من فارق سعر الشراء وسعر السلعة في تاريخ تسلمها، كما تتضمن هذه السندات عادة توكيل الدولة ببيع المنتج بعد التسليم نيابة عن صاحب السند، وهذه السندات غير قابلة للتداول؛ لأنها تمثل ديوناً، وهي من قبيل بيع المسلم فيه قبل قبضه الممنوع شرعاً.

6 ـ وتنطبق نفس الصيغة السابقة على سندات الاستصناع من حيث المبدأ؛ لأن الاستصناع كما يقول الفقهاء: هو السلم في الصناعات، والاختلاف الأساسي بينهما أن المبيع في الاستصناع يشترط أن يكون مما يصنع صنعاً، وليس من المنتجات التي لا تدخلها الصنعة كالمواد الخام والمنتجات الزراعية وغيرها، لذا يمكن للجهات الحكومية استخدام سندات الاستصناع في تمويل بيوت السكن والمجمعات ونحوها، وهي لا تقبل التداول إلا بعد تسلم المصنوعات التي لها منافع قابلة للتأجير.

7 ـ وهناك أيضاً سندات إجارة الأعيان التي يمكن أن تصدرها الجهات الحكومية بنفسها أو عن طريق البنوك والمصارف، وتمثل هذه السندات ملكية أصول ثابتة يتم تأجيرها إلى تلك الجهات الحكومية مقابل أجرة محددة.

8 ـ كما يوجد نوع آخر من سندات الإجارة، وهي سندات إجارة الخدمات، وهي تصلح للجهات الحكومية التي تقدم خدمات معينة للمواطنين بمقابل مثل الخدمات الصحية وخدمات الهاتف، والتعليم الجامعي وغيرها من الخدمات العامة، ففي هذه الحالة يمكن لتلك الجهات الحكومية إصدار سندات خدمات يستحق حاملها في الأجل المحدد الحصول على الخدمة الموصوفة في الذمة مقابل تعجيله ثمنها عند شراء السند، وبذلك فإن المواطن المستثمر في سندات إجارة الخدمات يستفيد من انخفاض ثمن الخدمة المدفوع مقارنة بثمنها عند الأجل، كما تستفيد الدولة من توفر السيولة اللازمة لديها.

ولا بد من الإشارة أن هذه السندات بمختلف أنواعها يمكن أن تتولى البنوك والمصارف مهمة طرحها للاكتتاب العام، كما يمكن أن تقوم هذه البنوك بدور المتعهد بتغطية الاكتتاب فيها، بأن تشتري الموجودات جملة ثم تبيعها مفرقة للمكتتبين بهامش ربح، كما نشير إلى أن أهم ميزة لهذه السندات هي قابلية أكثرها للتداول ما عدا: (سندات السلم والاستصناع في حالات خاصة)؛ حيث إنها إذا كانت تمثل موجودات حقيقية فلا يمنع شرعاً انتقال ملكيتها من مستثمر لآخر، لتوافر الضوابط الشرعية لذلك، وهو الأمر الذي سيساعد بلا شك في سرعة انتشارها، ويمكن أن تقوم البنوك والمصارف الإسلامية كذلك بدور المتعهد بإعادة الشراء لضمان حركة التداول.

وأخيراً: إن ما ذكرناه من نماذج سابقة هو في الحقيقة بعض نماذج الأدوات المالية المشروعة التي يمكن الاستفادة منها من قبل الجهات الحكومية من أجل تعبئة الموارد التي تحتاجها سواء تم ذلك مباشرة أو من خلال البنوك والمؤسسات المالية، ولا زالت هناك جهود كبيرة من أجل ضبط التعامل بهذه السندات المختلفة.

وفي هذا الخصوص يجب أن يتحقق مزيد من التعاون بين الجهات الحكومية والبنوك الإسلامية ممثلة في قياداتها الفنية وهيئاتها الشرعية ورجال الفكر والمال المتهمين بهذا المجال، وذلك حتى نصل إلى المرحلة التي تكون فيها هذه الأدوات المالية مؤسسة على قوانين وأنظمة مقررة في مختلف الدول الإسلامية؛ بحيث يتم استخدامها في ضوء تلك المقررات لما يخدم مصلحة جميع الجهات

ملحوظة هامة:

أقول: كل الصيغ والعقود التي اختلف في مشروعيتها أو في بعض شروطها أو أوصافها أو أحكامها يرجع فيها إلى قرارات المجامع الفقهية الإسلامية، وفي حال اختلافها فإن للهيئة الشرعية في المصارف الإسلامية أن تختار ما تراه راجحاً بالدليل مع مراعاة المصلحة العامة وملاءمة الزمان والمكان تحقيقاً لمقاصد الشريعة الغرّاء؛ بحيث تجمع بين ضوابط القواعد وسعة المقاصد.

_________________
من تواضع لله رفعه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
مدير المنتدى
Admin


عدد الرسائل : 2061
العمر : 34
Localisation : المملكة العربية السعودية
تاريخ التسجيل : 11/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: التمويل واستثمار الأموال في الشريعة   السبت 9 أغسطس - 2:25

خلاصة

1 ـ إنَّ جماع القول في الأعمال المصرفية التي تتم في المصارف الربوية أنها إما خدمة مقابل أجر وإما إقراض نظير فائدة وعوائدها إما عمولة وإما فائدة .

والأولى لا بأس بها لأن الإجارة جائزة شرعا على أن يكون الأجر مقطوعاً لا يتكرر إلا بتكرار الخدمة حتى لا تخفي العمولة في طياتها مآرب ربوية.

وأما الفائدة فهي صريح الربا الذي نزل القرآن الكريم بتحريمه وقد ثبت تهافت جميع التخريجات التي حاول أصحابها تبرير الفائدة على وجه أو على آخر .

2 ـ وإن جماع القول في التطوير الإسلامي للعمل المصرفي أنه يبقي الخدمات المأجورة ويضع لعمولتها من الضوابط ما ينفي عنها شبهة الربا ، ويستعيض عن العقود الربوية عقود الاستثمار الشرعية التي تقوم على فكرة التجر والمشاركة أو القرض الحسن الذي قد يرى المصرف الإسلامي تقديمه في بعض الحالات.

3 ـ إن عقد المضاربة الشرعية قادر بشيء من التوسع في أحكامه على الوفاء بحاجات العمل المصرفي وإن جميع الدفوع التي طعن بها البعض في صلاحية هذا العقد للاستثمار الجماعي في المصارف فيها نظر.

4 ـ جواز المضاربة المؤقتة والمضاربة بالدين إن كان على ملأ والجميع بين الشركة والمضاربة وإن المضاربة تلزم بالشروع في العمل إلى خلوص المال في إبانه .

5 ـ إن تثبيت العائد في عقد المضاربة يفسدها لأن الأصل في ربح المضاربة أن يكون على الشيوع بين المضارب وبين رب المال فإذا أضيف إلى تثبيت العائد الذي يناله رب المال فكرة تضمين المصرف لأموال المضاربة فقد تحولت المعاملة إلى قرض ربوي في حقيقة الأمر وإن استعيرت لها أسماء أخرى .

6 ـ إنه يمكن للمصرف الإسلامي أن يعتمد على بقية عقود الاستثمار كالمشاركة والمرابحة والسلم والاستصناع في ترتيب أعماله الاستثمارية ولا وجه لاعتراض البعض بأن هذه عقود استثمار مباشر لا شأن لها بالأعمال المصرفية وذلك لأن مفهومك الأعمال المصرفية لم يتفق عليه عالميا حتى هذه اللحظة.

7 ـ جواز السلم الحال كما هو مذهب الشافعي رحمه الله وجواز الاستعاضة عن دين السلم قبل قبضه من المسلم إليه شريطة ألا يرابح رب السلم مرتين أي لا يستعيض عنه بما هو أكثر قيمة منه كما أثر ذلك عن ابن عباس وغيره من أهل العلم وأن هذا العمل من جنس الوفاء بالدين وليس من جنس البيع .

8 ـ أنه لا يجوز لمن اشترى شيئا أن يبيعه قبل قبضه وفقا للراجح من أقوال أهل العلم وأن لهذا المبدأ دوره الهام في ترتيب العمل في المصرف الإسلامي حيث يلزمه في عمليات المرابحة ونحوها أن يتولى فعلا شراء السلع بنفسه وأن يقبضها فعلا وفقا لما فصلناه من أحكام القبض حتى يتمكن من بيعها إلى الآمر بعد ذلك وبذلك يغلق بابا من أخطر أبواب التلاعب والغرر وهو ماتقوم به البورصة العالمية من المضاربات الوهمية على صفقات وهمية معدومة فيثرى بها فريق ويتحطم بها آخرون واليهود من وراء الكواليس يوجهون المسار ويجنون الثمار.

9 ـ إن المرابحة المصرفية تختلف في جوهرها عن مسألة العينة التي ذهب إلى حرمتها جمهور الفقهاء ولكن بشرط أن تتم وفقا لخطوات معينة موجزها:أن يقوم المصرف بشراء السلعة المقصودة فإذا تم له قبضها قام ببيعها بعد ذلك لعملية الآمر بالشراء الذي يكون له الحق في القبول أو الرد وفقا لما يحقق مصلحته ولكن انحرافات التطبيق هي التي حادت بهذه المعاملة عن جادة المشروعية ولكي يؤمن المصرف موقعه يمكن أن يشترط لنفسه الخيار عند شرائه للسلعة حتى إذا نكل العميل عن الشراء قام بردها إلى البائع ولم يخسر شيئاً.

10 ـ إن النقود الورقية المتداولة اليوم تأخذ أحكام الذهب والفضة في وجوب الزكاة فيها وفي جريان الربا فيما بينها بحيث تعتبر عملة كل بلد من البلاد جنسا قائما بذاته فإن بيعت بعملة من جنسها فقد وجب التماثل والتقابض وإن بيعت بعملة أخرى لبد آخر حرم النساء فقط وحلت الزيادة كما هي القاعدة في الذهب والفضة وقد أفتى بذلك جمهور أهل العلم في هذا الزمان.

11 ـ إن الوفاء بالوعد واجب وملزم في باب الديانة وحسن الخلق وهو ملزمٌ في باب القضاء إذا ترتَّب على إخلافه حصول ضررٍ للطرف الآخر؛ فإنَّه حينئذ يجب الوفاء به دفعاً للضرر الذي ينبني على عدم الوفاء، عملاً بالقاعدة الكلية ـ الحديث الشريف ـ ((لا ضرر ولا ضرار)). [متفق عليه]

12 ـ لا يجوز الإيداع في المصارف الربوية ولو كان بدون فائدة لما يتضمنه هذا العقد من الإعانة على المعصية فالمصارف لا تحتفظ من هذه الودائع إلا بنسبة الاحتياطي المقررة ثم تدفع بالباقي إلى قنوات الإقراض الربوي وهي لا تقنع بالحجم الحقيقي لهذه الودائع، بل تشتق منها ما يزيد على حجمها أضعافاً كثيرة بواسطة ما يسمى بخلق النقود أو إحداث الائتمان.

وأخيراً: فإنني أتوجه إلى المشتغلين بقضية المصارف الإسلامية بهذه التوصيات:

أولاً: يجب على من ينتصب للمعالجة الإسلامية للأعمال المصرفية أن يبدأ أولاً بدراسة الأحكام الشرعية للعقود التي تنظم هذه الأعمال حتى يمسك بيديه المشاعل المضيئة التي يشق بها طريقه إلى معالجة هذه الأعمال إسلامياً في ضوء ما تقرر عنده من الأحكام والقواعد الشرعية؛ وذلك حتى يكون المنطلق هو تقويم هذه الأعمال بالإسلام وليس هو تطوير الأحكام الشرعية بما يتفق مع هذه الأعمال.

ثانياً: أن تكون الغاية من البحث هي إحقاق الحق وإبطال الباطل، وليس توزيع صكوك الشرعية على أكبر قدر ممكن من هذه الأعمال مهما كان فيها من خلل وتجاوز، فلن يضير الإسلامَ أن يهدم تسعة أعشار هذه النظم ما دام يملك البديل الأقوم والسبيل الأهدى ولم يترك الناس سدى أو يرهقهم من أمرهم عسراً، فالأصل هو اتباع الحق بالدليل وليس الاعتذار عن هذا النظام أو ذاك وتلمس المخارج له من أي وجه تحت ستار المرونة والتوسعة.

ثالثاً: أن نفرق في الأحكام الفقهية بين ما كان منها معتمداً على نص أو إجماع، وبين ما كان منها مرده المصلحة والأقيسة، فالأولى حرم مقدس، ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم، والثانية موضع نظر واجتهاد يرجح فيها العلماء في كل عصر ما يرونه مناسباً لحاجاته ومصالحه، عملاً بالقاعدة المقررة: ((حيثما تكون المصلحة فثَمَّ وجه الله)).

رابعاً: أنه حيث يكون مرد الخلاف في مسألة ما إلى تعارض ظاهر بين النصوص فلا تكفي المصلحة وحدها للترجيح، بل لا بد من اعتبار الدليل الأقوى وفقاً لضوابط الترجيح المقررة في علم الأصول مع مراعاةٍ دقيقة لفقه المقاصد تحقيقاً لمقاصد التشريع الإسلامي.

خامساً: إننا في سعينا إلى تحقيق مركز تنافس متقدم للمصارف الإسلامية لا ينبغي أن يحملنا الاندفاع والعجلة على التفلت والعدوان على حدود الله، فإن رسالة المصارف الإسلامية إلى أهل الأرض تتمثل في المقام الأول في حمل لواء التطبيق الشرعي والممارسة الإسلامية والعودة بالاقتصاد الإسلامي إلى حظيرة الكتاب والسنة فلا يجوز أن تحملها العجلة أو الرغبة في كسب جولة من الجولات على التفريط في هذه الرسالة المقدسة.

سادساً: أنه لا بد أن يعاد النظر فيما تروج له المصارف التقليدية الربوية من نظم ومبادئ تقدمها باعتبارها مكاسب ومغانم؛ لأن بعض هذه المكاسب المزعومة تعد في ميزان الإسلام إثماً وخطيئة، وتصطدم مع كلياته ومبادئه الأساسية، فما لم يتفطن لذلك فقد يحملنا معترك المنافسة على تبني هذه الأفكار، ثم محاولة تطويع الأحكام الشرعية لإقرارها، فنفقد بذلك استقامة المنهج ووضوح الهدف ونكون كمن يدور في حلقة مفرغة.

والقصد أن تكون محاكاتنا بوعي، وأن يكون اقتباسنا من تجارب الآخرين منوطاً بالنظر الشرعي الذي ينبغي أن تكون له الهيمنة المطلقة في كل شيء، ومن هنا كانت أهمية أن يواكب اليقظة الإسلامية في مجال المصارف يقظة إسلامية شاملة تهتم ببناء الفرد المسلم، وتصحيح مفاهيمه وتنقيتها مما شابها من الدخن لتتفاعل مع الممارسة الإسلامية في شتى المجالات فلا يحاكمها إلى مقررات سابقة، ولا يزنها بموازين غريبة مما يؤدي إلى الريبة والتأرجح.

سابعاً: أن يهتم القائمون على أمر المصارف الإسلامية بتوعية العاملين في هذا المجال بحقيقة رسالتهم وبالدور الهام الذي يناط بهم أداؤه، ثم بالخطوات الشرعية اللازمة لصحة المعاملات التي يمارسها المصرف مع بيان الغاية من كل هذه الخطوات والأدلة الشرعية على لزومها، وذلك حتى لا يحس العاملون في هذا المجال أنهم في تنفيذ هذه الخطوات أمام سلسلة من الإجراءات الإدارية العادية التي لا تفسير لها إلا البيروقراطية والتعقيدات الشكلية التي تمليها عليهم الإجراءات الرسمية ونحو ذلك مما قد يحملهم على التجاوز عن بعض هذه الخطوات أو التقصير في القيام بها وقد ينعكس ذلك على العملية كلها بالبطلان من الناحية الشرعية.

وإني لأوصي بأن تفتتح كافة المصارف الإسلامية مراكز لتدريب العاملين لديها تقوم على تدريس التصور الإسلامي للعمل المصرفي وتتولى شرح العقود الشرعية التي يتم ترتيب العمل على أساسها في المصارف الإسلامية مع بيان صياغتها المصرفية والخطوات التنفيذية اللازمة لذلك، ثم يشترط فيمن يريدون الالتحاق بالعمل لدى المصارف الإسلامية أن يكون قد تخرج في هذه المراكز التي تكفل للمتخرجين فيها حداً أدنى من المعرفة الإسلامية بهذا المجال، كما أوصي أن تختار هذه المصارف موظفيها ممن عرفوا بالصلاح والتقوى فهؤلاء هم الضمان الحقيقي لدقة وأمانة التطبيق الإسلامي في هذا المجال

وأخيراً: فإن النجاح الكبير الذي شهدته المصارف الإسلامية منذ اليوم الأول لافتتاحها إنما يحمل أصدق الأدلة على أن رصيد الفطرة من حب الحق والتطلع إليه لا يزال غضاً طرياً وأن أمة الإسلام وإن تعاقبت عليها مختلف النظم والحكومات فإنها ما فتئت تتطلع إلى ساعة الخلاص وتنشد حياة الطهر في ظل الاعتصام بالكتاب والسنة والاستقامة على أمر الله عز وجل.

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلَّم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، تمت بعون الله

_________________
من تواضع لله رفعه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamfin.go-forum.net
 
التمويل واستثمار الأموال في الشريعة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى التمويل الإسلامي :: منتدى الإقتصاد الإسلامي :: السياسات الاقتصادية الإسلامية-
انتقل الى: